تسعة دروس في الإنتاجية نتعلمها من الصغار

تصنيف وسطاء الفوركس 2020:
  • FinMaxFx
    FinMaxFx

    أفضل وسيط فوركس لعام 2020!
    الخيار الأمثل للمبتدئين!
    تدريب مجاني!
    حساب تجريبي مجاني!
    مكافأة على التسجيل!

تسعة دروس في الإنتاجية نتعلمها من الصغار

الصغار رائعون! يُذيبون القلوب بعيونهم الواسعة التي تُشع شغفًا، ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحَدِّ. إن الأطفال بإمكانهم أن يُعلِّموك الكثير من الأشياء التي تجعلك أكثر إنتاجية.

إليك بعض الدروس الهامة المستوحاة من الصغار.

النوم أولاً

الأطفال، وخاصة الرضع، ينامون كما لو كانوا يتقاضون راتبًا لذلك؛ فهم ينامون 10 إلى 18 ساعة يوميًّا. ويساعدهم النوم على نمو جهاز المناعة لديهم وتطوره، ويزيد نشاطهم، ويُحسِّن مزاجهم. وإن لم ينل الصغار قسطًا كافيًا من النوم، يصابون بتقلب المزاج والقلق، وحينئذٍ يصعب تهدئتهم.

ألا يبدو الأمر مألوفًا لك؟ نحن -الكبار- كذلك، إن لم نحصل على قسطٍ كافٍ من النوم، نتذمر ونغضب من كل شيء، وتسوء ذاكرتنا، ونصير أقلَّ تركيزًا ويقظة. لا أقصد، بالطبع، أن ننام 18 ساعة يوميًّا، ولكن أقصد أننا بحاجةٍ لجعل النوم أولويةً لنا؛ كي نكون أكثر إنتاجيةً.

الممارسة هي الأساس

حاول أن تستلقي وتُقلب وضعيتك. هل وجدتَ الأمر سهلًا؟ ذات يوم، كنت في حاجة لأشهرٍ طويلةٍ من الممارسة للقيام بذلك. حاولت ذلك كل يوم، وها قد نجحت.

الشيء نفسه يحدث للكبار؛ ففي الغالب لا يمكنك القيام ببعض الأشياء من المحاولة الأولى، ولكن تحتاج إلى الممارسة، وفي نهاية المطاف تصل إلى ما تريد.

الروتين مفيد

نستيقظ ونأكل ونلعب، ونأكل ونخلد للنوم. يحدث هذا كل يوم. هل يبدو الأمر صعبًا؟ نعم، ولكن الأمر للأطفال لا يتعدَّى “المنزل-العمل-المنزل” بالنسبة لنا. ومع ذلك، لا يَمَلُّون هذا الروتين، بل يستمتعون به. وبفضل هذا الروتين، ينمون ويتطورون!

الأمر سواءٌ لنا من الناحية العملية؛ فلن نقدر على الإنتاج ما لم نتبع نظامًا طبيعيًّا للجسد والروح، على السواء. هذا النظام مشابه لتسلسل ماسلو الهرمي للاحتياجات الإنسان، والذي تأتي فيه الاحتياجات الجسدية في المقام الأول. تذكَّر أن الأفعال الإيجابية المنتظمة في حياتنا تساعدنا على العمل والنمو بكل الوسائل.

اعرف متى تتوقف

كل الآباء على دراية بما يحدث حين يَمَلُّ صغارهم اللعب أو المشي، أو أي نشاطٍ آخر. يخبرك صغارك بذلك في الحال! وإذا شبع طفلك، يبعد الملعقة في الحال.

الدرس المستفاد هنا أن لكل شخص طاقة. المبدعون يدركون ذلك، ويعرفون متى يتوقفون. استراحة قصيرة أو تمشية أو سماع الموسيقى لبعض الوقت أو محادثةٌ ممتعة، كل هذه الأشياء تصفي ذهنك، وتُعِيد لك إبداعك. حين تستنفد طاقتك، ما عليك إلا أن تُقِرَّ بذلك، وتأخذ قسطًا من الراحة.

تصنيف وسطاء الفوركس 2020:
  • FinMaxFx
    FinMaxFx

    أفضل وسيط فوركس لعام 2020!
    الخيار الأمثل للمبتدئين!
    تدريب مجاني!
    حساب تجريبي مجاني!
    مكافأة على التسجيل!

ركز على شيء واحد

يعيش الصغار تلك الفترة التي يَرَوْنَ فيها شيئًا يحلو لهم، فيستولون عليه. مَن يمكنه القول بأنهم أقوياء إلى هذا الحَدِّ؟ عندما ينتزعون شعرك، فإنهم لا يمسكونه فحسب، وإنما يخلعونه. لاحظ مدى تركيزهم في هذه العملية. لا شيء يصرفهم عنها، بل تجدهم في كامل يقظتهم.

ماذا لو تمكن الكبار من فعل ذلك بتلك السهولة؟! نحتاج حقا لأن نتعلم ذلك من الصغار؛ فآلاف الأشياء تحدث حولنا، ولا يمكننا التركيز إلا على أمر واحد فقط. ستزداد إنتاجيتها كثيرًا إن استطعنا التركيز بالقَدْر الذي يركز به الصغار.

إذا رأيت ابتسامة طفل أو سمعت ضحكته لمرة واحدة على الأقل، فستعرف كَم هي ساحرة! يمكنك حينها القول بأن هذا الطفل سعيدٌ بلا شك، وستودُّ سماع ضحكته مرارًا وتكرارا.

الابتسام والضحك مفيدٌ في كل الأعمار؛ لأنه يساعدنا على مقاومة الإجهاد، ويُحسِّن مزاجنا، ويجعلنا ألطف. في كل حال، لا تكبح ضحكتك.

تحدث عن رغباتك

هل حفاضاتهم ممتلئة؟ إنهم يبكون. هل بطونهم فارغة؟ إنهم يبكون. هل لديهم اضطراب في المعدة؟ هل يشعرون بالتعب؟ هل يتجشأون؟ حسنًا، ستعرف كل ذلك. عندما يريد الصغار شيئا، يخبرونك به في الحال. لن ينتظروا اللحظة المناسبة. ولا يعنيهم ما إذا كنت تريد أن تعرف ذلك أم لا. إنهم يخبرونك فحسب.

بالطبع، لا نقصد هنا أن تكون سيئ الأخلاق أو قاسيًا لا يفكر إلا في نفسه، ولكن قد يعلمك ذلك درسًا جيدًا، أن تخبر مَن حولك بما تريد. المنتجون مبادرون. حتى في لحظات خوفهم، يتصرفون؛ لأنهم يدركون أن عليك استغلال كل الفرص المتاحة، والمُضِيَّ قُدُمًا لتحقيق نتائج عظيمة.

كل شيء في الوقت المناسب

الصغار يلعبون في وقت اللعب، ويجلسون في وقت الجلوس، ويزحفون في وقت الزحف. لا يهمل الصغار أيا من مراحل التطور تلك، بل يفعلون كل شيء في الوقت المناسب!

المنتجون أيضًا يفعلون ذلك؛ فهم لا يضيعون الوقت في محاولة إنجاز عملٍ كبيرٍ في وقتٍ قصير، بل ينجزون المهام بالترتيب. ولتحقيق نتائج إيجابية، تجدهم يُقسِّمون المهام إلى خطوات صغيرة، فينجزونها واحدة تلو الأخرى.

استمتع بالتفاصيل الصغيرة

أطعمني، بدل ملابسي، عانقني، العب معي، أحببني، احمني؛ أكن سعيدًا. أنا طفل، لست بحاجة لحفاضة من نوع فاخر، ولست بحاجة إلى أغطية كثيرة ملونة وجميلة، ولست بحاجة إلى كثير من الألعاب المتشابهة في غرفتي. سألعب بما لدي، وسأكون سعيدًا.

ولكننا نحن -الكبار- لسنا كذلك؛ فنحن بحاجةٍ الى المزيد من الأدوات، والمزيد من الأشياء، والمزيد من وسائل الترفيه. أحتاج إلى مراجعة بريدي الإلكتروني، ومتابعة ما ينشره أصدقائي على تويتر وفيسبوك وانستغرام، وإجراء مكالمةٍ هاتفية؛ ثم أكون جاهزًا للعمل. ولكن عند الانتهاء من كل ذلك، لا تجد لديك من الطاقة والوقت ما يكفي لبذل قصارى جهدك في مهمتك. لذا، تعلَّم أن تكون راضيًا بما لديك، وأن تحصل على ما تحتاج إليه فقط.

 قضايا

مجدي الجزيري والفلسفة الرمزية

في حياة الأفراد في كل أمة من الأمم وفي كل عصر من العصور، هناك نوع من الرجال لا يرتضي لنفسه أن يكون مجرد مقلد للآخرين، وبحيث يعيش كالعامة من الناس، بل إنه يؤمن إيماناً راسخاً بفكرة يسعي إلي تحقيقها أو هدف نبيل يسعي من أجله لإسعاد الآخرين، وبحيث يفضل الغيرية علي الأنانية ويعمل في صمت دون طبل أجوف أو منصب زائل أو شهرة عمياء .

والأستاذ الدكتور مجدي الجزيري خير من يمثل هذا النوع من الرجال خير تمثيل، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات،فلقد وهب حياته كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

والحقيقة التي لا يعرفها الكثيرون وهي أن الدكتور مجدي الجزيري هو واحداً من كبار الرواد في دراسة فلسفة الحضارة بمصر والعالم العربي، وقد استطاع من خلال بحوثه ومؤلفاته أن ينقل البحث في فلسفة الحضارة من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

ولد الدكتور مجدي الجزيري في قرية جزيزة شندويل – وهي إحدى القري التابعة لمركز المراغة بمحافظة سوهاج، وذلك 17 يناير 1943، وسافر إلي القاهرة واستقر فيها، حيث حصل علي بكالوريوس إدارة الأعمال من جامعة القاهرة سنة 1964، كما حصل علي درجة الليسانس– قسم الفلسفة سنة 1968 من جامعة القاهرة، ثم عمل لفترة من الزمن موظفاً بمؤسسة تعمير الأراضي، ثم موظفا بمؤسسة بالتعليم العالي بالمبتديان، وخلال تلك الفترة بدأ التسجيل للماجستير إلي أن حصل عليه في سنة 1975 في موضوع بعنوان فلسفة الفن عند ارنست كاسيرو، وحصل علي درجة الدكتوراه في موضوع بعنوان الحرية والحضارة عند نيوكيلا بيرد يائيف. وفي 25 يناير لعام 1980 تم تعيينه مدرسا (فلسفة حديثة ومعاصرة) بكلية الآداب بطنطا، وفي 4 يوليو 1987 حصل علي درجة استاذ مساعد، وفي 3 يونيه 1995 حصل علي الاستاذية .

وأما كتاباته : اللاهوت والسياسة عند سبينوزا ومارتن بوبر، وكتاب دراسات في علم الجمال، وكتاب القضايا الفلسفية عند الدكتور علي عبد المعطي، والفلسفة : وكتاب بين الأسطورة والتكنولوجيا، وأيديولوجيا اقصاء الأخر في الفكر الغربي المعاصر عند صمويل هنتنجتن وبرنارد لويس، وكتاب مقالات في الأخلاق البيولوجية، والدين والدولة والحضارة عند بوركهارت، وكتاب البنيوية والعولمة في فكر كلود ليفي شتراوس، وكتاب فلسفة الفن عند إرنست كاسيرر، وكتاب القيم في فلسفة ماكس شيلر، وكتاب شهادة علي عصر : من برديائف إلي جورباتشوف، وكتاب العنف والتاريخ عند سوريل، وكتاب نقد التنوير عند هيردر، وكتاب السيموطيقا وفلسفة الفن عند كاسيرر ونظرية الفلسفة بين الأسطورة والتكنولوجيا، وكتاب الفن ونظرية المعرفة، وحفريات اللغة عند ارنست كاسيرر، وكتاب البينوية والتنوع البشري وكلود ليفي شتراوس. الخ.

كما كان الدكتور مجدي الجزيري كاتباً مرموقاً فى عدد من الصحف والمجلات المصرية والعربية كجريدة الأهرام، والوفد. الخ ؛ حيث كتب عدة مقالات في الأهرام، وكان من أهم مقالاته مقال :بعنوان قراءة رمزية لتحولات الثورة المصرية، ومقال: الدولة والحرية لدي هيجل، ومقال :الدين والأخلاق والعنف عند توفيق الطويل، ومقال: الهوية والوعي التاريخي عند هيجل، ونشر في الوفد عدة مقالات مثل : مقال : وزارة الثقافة والمؤتمر الوطني الأول للشباب، ومقال : ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، ومقال : زويل والملاعب المصرية، ومقال : وزارة الثقافة وأمناء الشرطة، مسئولية الاتحاد العام للغرف التجارية، ومجموعة مقالات عن طه حسين، ومقال : صناعة ثقافة الغباء، والإخوان والغرب، ومقال : مصلحة قطر فى تقزيم وتمزيق العالم العربى. الخ.

وقد أسهم الدكتور مجدي الجزيري بعضويته في كثير من المؤسسات العلمية، ومراكز البحث العلمي العالمية، وألقي العديد في بحوث في مؤتمرات وندوات محلية ودواية، منها أبحاث في متخصصة نشرت في المغرب وتونس والجزائر، كما حاضر عن فلسفة الحضارة والفكر الغربي المعاصر في كثير من الجامعات المصرية والعربية.

ويتميز الدكتور مجدي الجزيري في كتاباته ومقالاته بالعمق وسعة الاطلاع والعمق في البحث وإضافة البعد النقدي الذاتي إلي البعد الموضوعي والأسلوب الأكاديمي الرائع والذي نادرا ما نجده في بحوثنا الحالية . إن كتاباته تمثل نضجاً فكرياً هائلاً، وتمثل البناء الهرمي المتماسك، ومن حاول أن يحذف سطراً واحداً من بحث لمجدي الجزيري في موضوع من الموضوعات، وفي نفس الوقت ينتظر أن يفهم أفكاره فوقته ضائع عبثا، لأن أسلوب مجدي الجزيري يعد أسلوبا اكاديميا دقيقا وعباراته بعيدة كل البعد عن الطابع الإنشائي البلاغي الفضفاض . لا يقول عبارة إلا علي قدر المعني .

والدكتور مجدي الجزيري له اهتمامات بالفلسفة الرمزية، فقد كان عاشقا لكاسيرر ومتأثرا بكتابه “فلسفة الأشكال الرمزية عوالم اللغة والأسطورة والعلم، وكان مؤمنا بأن إدخال الرمز إلى الفلسفة المعاصرة قد فتح لها آفاق جديدة لم تعهدها الاتجاهات الوضعية وكان ذلك على يد كل من أرنست كاسيرر وسوزان لانجر وشارلز موريس دون أن ننسى بول ريكور، وكلود ليفي ستروس، وميشيل فوكو، وكل الذين اهتموا بمسألة الرمز في دراسة العديد من الظواهر الإنسانية، مثل اللغة، والقرابة، والنسب، والزواج.”

وفي مقاله له نشرت بجريدة الأهرام المصرية بعنوان “قراءة رمزية لتحولات الثورة المصرية”، يحاول الدكتور مجدي الجزيري أن يبين لنا أن العالم الرمزي هو العالم الحقيقي الذي نسكن فيه ويعبر عن وجودنا الثقافي الأصيل‏،‏ وصدق الفيلسوف الألماني أرنست كاسيرر‏(1874-1945)‏ عندما قدم تعريفاً جديداً للإنسان باعتباره مبدعاً وموجداً للرموز‏.‏

ويوضح ذلك قائلاً :” فإذا كانت الفلسفة النقدية عند كانط قد اكتفت بنقد العقل، فإن العقل النظري المنطقي لا يمثل كل الفعاليات الإنسانية المتضمنة ما هو عقلي منطقي كالعلم والرياضيات وما هو وجداني شعوري كالفن والأسطورة، ومن ثم كان التحول من نقد العقل النظري إلي نقد الحضارة، باعتبار أن العقل النظري مهما تنوعت تجلياته يشكل مجالاً واحداً من مجالات قدرة الإنسان علي الترميز، خصوصاً في ضوء الاهتمام المعاصر بعلم السيموطيقا Semiotics، وهو العلم الذي يدرس المشكلات العامة للإشارات والرموز والدلالات، وقد أدخل جون لوك هذا المصطلح ليشير به إلي الإشارات المستعملة لفهم الأشياء وإيصال المعرفة، كما ساهم الفيلسوف بيرس، وشارلس موريس، وكارناب، بجهود كبيرة في تطوير العلم، واستعملت الأفكار الإشاراتية في الرياضيات ونظم المعلومات وعلم النفس المرضي في روسيا، واتخذ علم الإشارات والرموز في فرنسا أهميته من خلال جهود دي سوسير في دراسة اللغة وأصحاب المدرسة البنيوية في تناولهم للظواهر الإنسانية من خلال مفهوم الرمز ومنهم جاك لاكان وميشيل فوكو ولويس ألتوسير وكلود ليفي شتراوس.

ويستطرد فيقول :” كما كان لكتابات امبرتوايكو في ايطاليا وأهمها العمل المفتوح دورها في دراسة السيموطيقا. ولعل أهم ما تناولته السيميوطيقا قضية الوساطة بالنسبة للعلوم الإنسانية باعتبار أنها تختلف عن العلوم الطبيعية من حيث مادة البحث التي تتعامل معها، فبينما تتعامل العلوم الطبيعية مع مادة موجودة في الطبيعة، تتعامل العلوم الإنسانية مع مادة من إبداع الإنسان هي الإشارات والرموز وهي مجرد وسيط يعبر عن أشياء غير مادية موضوعها الذهن البشري، فنحن لا نواجه الواقع مباشرة بل نواجهه من خلال اللغة والفن والأسطورة والعلم والتاريخ. لاغرو بعد هذا أن يتعامل علم الاجتماع التقليدي مع النظم الرمزية من زاوية معانيها ووظائفها الاجتماعية، ويتبدي الرمز لديه أي حدث أو شئ يستعمل في التعبير عن إيصال المعاني الثقافية، كالأفكار والعقائد والقيم أو للتعبير عن الجوانب العاطفية والإدراكية للتجارب الذاتية للأفراد الذين يسهمون في عملية التفاعل الاجتماعي.

ثم يوضح مجدي الجزيري بعد هذا العرض التنظيري فيقول :” وإذا كان البشر يحتاجون الرموز ليعبروا بها عن الاعتبارات الجمعية كما أبان دوركهايم فبوسعنا القول بإمكانية قراءة ثورتي25 يناير،30 يونيه من خلال الرموز الدالة عليها والمعبرة عنها. وبالطبع يصعب الإحاطة برموز الثورتين في مقال أو كتاب ولكن حسبنا أن نحفز القارئ علي مثل هذه القراءة من خلال صورة انتقائية إلي حد كبير، ولأن ميدان التحرير تبدي منطلقا عاما لثورة يناير وجامعا لرموز متنوعة، لذا فقد بدا رمزا عاما ومسرحا للأحداث.

ويعطينا مجدي الجزيري أهم مظاهر الرمزية علي ثورة 25 يناير فيقول :” ونبدأ من ثورة يناير، حشود تتوافد علي الميدان بصورة غير مسبوقة أو متوقعة، رجال ونساء وشيوخ وشباب وأطفال; رجال دين مسيحي وإسلامي، أحزاب وتيارات أيديولوجية متنوعة. العلم المصري هو القاسم المشترك بين الجميع، الكل يهتف بسقوط النظام. شعارات الثورة حرية، عدالة اجتماعية، تغيير. بالتدريج اختفي مطلب التغيير وحل محله شعاري عيش، كرامة إنسانية. صور الزعماء عبد الناصر والسادات تتصدر الميدان. الأغاني الوطنية لسيد درويش والشيخ إمام وعبد الحليم. صور مبارك وأسرته وأقطاب الحزب الوطني ولجنة سياساته ملطخة بالسواد وعلامةX . ما سمي بموقعة الجمل وسقوط الضحايا من الثوار. المجلس الأعلي للقوات المسلحة يجتمع في غيبة مبارك ثم ينحاز لجماهير الثوار. اللواء عمر سليمان يلقي بيان تنحي مبارك. منصة الميدان يتباري عليها كل الأطياف السياسية والثوار والشعراء والفنانين، وجماعات الإسلام السياسي تتزاحم لتجد موقعا بينها. القرضاوي يفرض نفسه في خطبة الجمعة ويؤم المصلين. استدعاء صور عمر عبد الرحمن، منصة حازم أبو إسماعيل وجماعة حازمون تحاول جاهدة لفت الأنظار إليها. الاستفتاء حول أولوية الدستور أو أولوية الانتخابات وحملة تكفير القائلين بأولوية الدستور. فن الجرافيتي علي جدران الجامعة الأمريكية يخلد شهداء الثورة ووقائعها. احتفالية غنائية برأس السنة الميلادية الجديدة2020 جمعت بين المدائح النبوية والترانيم الكنسية. صورة مبارك ممددا علي سريره الطبي ونجليه ورجال وزارة داخليته خلف القضبان أثناء محاكمتهم. صور المشايخ المرشحين لانتخابات مجلس الشعب، مع صور السيدات المرشحات، الاسم بدون صورة أو صورة وردة بديلة لصاحبة الاسم. فتاوي هدم وتخريب الآثار المصرية القديمة لوثنيتها وهدم الأضرحة وتغطية تمثال أم كلثوم مرسي يؤدي اليمين الدستورية أمام المحكمة الدستورية العليا ثم أمام قصر الاتحادية لأهله وعشيرته. تصدر مرسي احتفالات نصر أكتوبر بحضور قادة الإسلام السياسي وقتلة السادات وغياب قادة القوات المسلحة. المحكمة الدستورية تحكم ببطلان انتخابات مجلس الشعب ومحاصرة الجماعة لمقرها. محاصرة حازم وجماعته لمدينة الإنتاج الإعلامي. خطابات مرسي منذ توليه الحكم حتي عزله بما فيها الإعلان الدستوري المحصن لقراراته. فض اعتصام المناهضين لمرسي أمام قصر الاتحادية من قبل الجماعة بالقوة المسلحة مع محاكمتهم وتعذيبهم بديلا عن القضاء والشرطة. سحل المتظاهرين وإطلاق الأعيرة النارية عليهم من قبل مكتب الإرشاد بالمقطم.

ثم ينتقل مجدي الجزيري لتوضيح تحول البعد الرمزية للثورة المصرية فيقول :” خروج ثلث الشعب المصري تقريبا في30 يونيه وفي3 يوليو ثم في25 يوليو لتفويض الجيش والفريق السيسي في التخلص من حكم الجماعة والإرهاب. رابعة والنهضة يتحولان إلي مقرين لخطاب تكفيري تدميري للشعب المصري وقواته المسلحة وجهازه الشرطي مع رفع رايات رابعة الأردوجانية وأعلام القاعدة السوداء. مسيرات الأطفال اليتامي حاملين أكفانهم في رابعة، أحلام الجماعة; نبي الإسلام الكريم يطلب من مرسي أن يتقدم ويؤم المصلين بدلا منه وجبريل يزور رابعة ويلتقي بالجماعة. مرسي وجماعته خلف القضبان يصيح أنا الرئيس، الجماعة تنتقم في سيناء ومصر كلها بمظاهراتها ومسيراتها التخريبية وممارساتها الإرهابية ضد الشرطة والجيش والدولة، صفع النساء علي وجوهن، حرق الكنائس، تشويه مصر بالعبارات المسيئة النابية، التمثيل بجثث شهداء الشرطة في كرداسة، رد فعل الجماعة الهستيري لحظة مشاهدة صور الفريق السيسي، حرق العلم المصري، انسحاب حزب النور من لجنة الخمسين أثناء عزف السلام الجمهوري مع إعلان الانتهاء من دستور مصر الجديد.

من كل ما سبق يمكن القول بأن الدكتور مجدي الجزيري قد نجح في أن يجعل من الرمز مفتاحا لفهم طبيعة الثورة المصرية وتحولاتها من خلال اهتمامه بالأشكال اللغوية والفنية والميثولوجية التي تمثل وسيطا رمزيا يواجه به الإنسان الواقع ومستجداته، لتضحي هذه الأشكال عبر السنين نتاج تفاعل بين عالم الإنسان وعالم الواقع.

لقد أورد لنا مجدي الجزيري من خلال عرضه أن يقدم لنا جملة من المعطيات الأساسية تبرز اللغة في صورة أوسع من أنها مجرد أداة للتواصل، فاللغة خاصة الشفوية منها، تتقاسم مع سلسلة من الأنظمة التي تشكل في مجموعها أجزاء هامة من كون الإنسان. وهذه الأنظمة تتمثل في الخرافة والدين والعلم والتاريخ ؛فبهذه الوحدات استطاع الإنسان من التعبير عن الواقع الطبيعي المادي بلغة الواقع الاجتماعي البشري ومن ثم صرح الجزيري مستشهدا بكاسيرر “أن الإنسان حيوان رمزي في لغاته وأساطيره وديانته وعلومه وفنونه. فما أوجه القرابة والغرابة بين المقاربة اللسانية السيمائية للرمز والمقاربة الثقافية لكاسيرر؟

وفي الختام أقول كلمة أخيرة لعلي بذلك أكون قد ألقيت الضوء علي جانب هام من جوانب شخصية أستاذنا الدكتور مجدي الجزيري المتعدد الجوانب، الثرية العطاء، ألا وهو الجانب المتعلق بفلسفته الرمزية والذي يمثل من وجهة نظرنا الأساس الأول الذي انطلق منه إلي أفاق الفكر الفلسفي الرحبة . فالمنطلقات الفكرية هي الأساس الأول والمدخل الرئيس لفهم شخصية الباحث وإدراك مدي عمقها العلمي وقدرتها علي العطاء الدائم . وقد أثبت الدكتور مجدي الجزيري ومن خلال عطائه الوافي العريض أنه باحث جاد ومفكر لا تلين له قناة في الدفاع عن الحق . وباحث محب للحقيقة وموقن بضرورة البحث عنها والخضوع لها والدفاع عنها بنزاهة وإخلاص . وهذا ما هيأ له أن ينطلق بكتاباته إلي آفاق التجديد والتنوير في فكرنا الفلسفي العربي ليعد واحدا من أبرز كتاب التنوير في عالمنا المعاصر.

وتحيةً لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطنى يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

الشيوعية ثقافة وليس عقيدة.. إشكالية التكفير بلا تفكير

تمتد الجذور الفكرية للشيوعية إلى بدايات غريزة التملك الناشئة مع الإنسان، وسببها رغبة الاحتكار المفرط، ازاء المتوفر، ومحاولة منعه عن الآخرين، فالشيوعية موجودة في رغبة البشر قبل أن تكون إيديولوجيا، وقبل أن تكون فلسفة حياة، كالتي ظهرت عند أفلاطون وامتداداتها الفكرية في مدارس مختلفة، وصولا إلى الشيوعية الماركسية، المنتشرة في أغلب دول العالم، وأوسعها انتشارا وتاثيرا في الصين الشعبية، اذ بوجودها هناك تعد الشيوعية أكبر حزب سياسي في العالم، وبالتأكيد هذا التأثير له طابعه الخاص والمميز الذي يختلف عن كل شيوعية البلدان الأخرى، ولاسيما بلدان الوطن العربي التي تلقتها وسط فكر التحريم، والممنوع، والاضطهاد للحريات الفكرية، فالشيوعية الماركسية لدينا تخطت المراحل الأولى للتكوين، الصبغة العلمية، والطابع الفلسفي، والفكر الاجتماعي النقدي الحركي، وعرفناها إيديولوجيا سياسية، تطمح للحكم والتأثير في الجماهير، فأعتقد فيها وكأنها تريد أن تصبح عقيدة، تنافس عقائد السماء، أو كما أرادها أصحابها كذلك، هذا حال فكر علماني يعيش في بيئة مغلقة عقائدياً، وحتى يكون وجوده فاعل، يجب أن يتخذ طابع القداسة الفكرية الذي ينافس القداسة العقائدية، ويطرح نفسه كبديل عنها، ربما كان كذلك أو هو متصور عند الآخرين، من الذين لا يعتقدون بها، وينظرون لها بريب وشك وحذر. هل يعني ذلك أن الشيوعية، تحولت إلى عقيدة فعلا؟ دخول الفكر الشيوعي للعراق، ومراحل تكوينها وتاثيرها بالجماهير والطبقة المثقفة منهم، أو المياله الى متبنياتها، بكونها تناغم وتخاطب، الطبقة البروليتارية، الفقيرة المعوزة التي انهكتها الاقطاعية، والسياسية المغلقة على مفاهيم العشيرة، والعائلة، والطبقية، والتي تجاوز العراق شيء منها بعد ثورة ١٩٥٨ وإعلان الحكم الجمهوري، على الرغم من معاناة الشيوعيين في هذه المرحلة من التقلبات السياسية، والأنظمة الحاكمة، والأحكام الصادرة بحقهم من تكفير، وتفسيق، وتحريم. فقد كانت كل هذه الأحكام ومن صدرت منهم، متغافلة ومتغافلين، حقيقة الشيوعية بانهأ ليست عقيدة بل هي ثقافة، وما حكم التكفير الا أن يقابله عقيدة، فالثقافة يجب أن تواجه بثقافة لا تقابل بعقيدة، فلا يمكن أن تكون هناك مساحة حوار، بين ثقافة بشرية، وبين عقيدة ميتافيزيقة، فالشيوعية هي فكر وثقافة وفلسفة، لم تكن عقيدة، والأدلجة هي انتماء اقناعي لا اعتقادي، فالشيوعيون هم مثقفون، بنمط من الثقافة السياسية، والاجتماعية، بصبغة اقتصادية تحكمها فكرة العدالة والمشاركة، فليس لديهم وعن الشيوعية العراقية نتحدث، منابر للخطب الدوغمائية، ولا أئمة عواطف وطقوس، ولا يملكون أجنحة عسكرية، لان الثقافة ببساطة تتقاطع مع حمل السلاح، بينما العقيدة تدعو لذلك، وتحت عنوان الجهاد والشهادة، والثواب، والجنة، فالاحكام الصادرة بحق الثقافة الشيوعية، هي احكام تكفير بلا تفكير، من وجهة نظرنا، ولو كانت هناك مقابلة معرفية بين مفهوم؛ الثقافة/ العقيدة، العلمانية/ الدينية، المدنية/ اللا مدنية، الثقافة / العاطفة، الانفتاح/ المحافظة، الإلحاد/ الايمان، لما كانت هناك احكام تكفير بلا عقيدة تقابلها، ولو انها احكام مقصودة في عمقها، موجهة للعامة من العاطفيين من الناس الذين يفهمون الدين برجاله، لا العكس، وهي طريقة محاربة الخصوم، والتنافس السياسي، والتسقيط الاجتماعي وغيرها من الممارسات التي تنبع من تفكير دوغمائي رافض الاعتراف بالآخر، ولو أن رجال هذه الأحكام اقتربوا من الشيوعية العراقية وانفتحوا عليها، لما فهموها على أنها عقيدة، ويجب أن تقرع بعقيدة، بل لوجدوها ثقافة تحمل طابع فكري وسياسي واجتماعي لها طروحاته، في إصلاح الحياة، ونظام الدولة، والمشاركة بالحكم، فالشيوعية العراقية واتباعها يمارسون كل سلوك من أصدر بحقهم حكم التكفير، فهو واغلبهم يؤمنون بالله، ليسوا كفرة، دينهم الاسلام من هو مسلم منهم، يصومون، يصلون، يشاركون الناس مناسباتهم الدينية، يعقدون اقرانهم بالسنة النبوية، يباركون المناسبات الدينية، ويعيدون في اعياد الإسلام، ويقيمون مجالس العزاء وقراءة سورة الفاتحة على شهداء رفاقهم، وكثير من الشيوعيات محجبات، وملتزمات بزيهن المحتشم وعن قناعة، وغيرها من المسائل التي يؤدونها بشكل غير مختلف عن المتدين، والذي يحكم عليهم بالكفر والاحاد. في هذا الاسبوع من شهر ايار ٢٠١٥ تصدت جهات سياسية دينية، ولم نقل دينية سياسية، وذلك لنؤكد انها تتخذ من الدين غطاء سياسي بأمتياز الى تأجيج عواطف الجمهور، عبر مفاهيم مشبع بها سلفاً، منغرسة في تراكماته التاريخية عن الشيوعية، واتباعها، ومواقفها، استرجعت بها احكام التكفير، والتفسيق القديمة، بتوظيف جديد، يقلص الدور الذي ناله الحزب الشيوعي، بعد انضواءه مع تحالف سائرون التابع للتيار الصدري، وهذا التحالف بحاجة إلى تساؤل صريح، هو لماذا لم يستند هذا التيار الديني الى الأحكام الصادرة بحق الشيوعية قديماً وتجنب التحالف معه؟ وكيف وقع بعد مسيرة تحول من التكفير الى التحالف؟ هذه أسئلة تحرج المؤسسات الدينية ومراجعها التي تكفر الشيوعية وتصفها بالالحاد، وتحرك الشارع ضدها، وضد أعضاءها، والاعتداء على مقراتها، والتنديد بتواجدها، والتضييق على اتباعها بالتهديد والتصفية وغيرها، فهذه الأفعال لا تشبه أفعال الحليف الذي رحب بتواجده معه، تحت عنوان العراق وهمومه ومشاكله، متناسين التقاطعات الأيديولوجية، ومتوحدين في موقف وطني، وفي هذا التحالف كانت قد غلبت العاطفة الوطنية على العاطفة الدينية، وتغالب الاعتدال على التزمت، والتشدد في الاحكام الدينية على التيارات العلمانية وبالتحديد الحزب الشيوعي، وغلبت الوطنية على الانتمائية الفرعية، وهذا ما لم يفهم بعد، من قبل كثير من الأطراف، ولا سيما تلك التي تتخذ من الهفوات، لغة تصعيد ووعيد، وتنكيل وخصومة، وعدم تسامح واعتراف، بل واظهار البعد الدوغمائي بكل أشكاله وانتماءاته وتبعيته، وهذه مشكلة الشعب الذي لم يتجاوز بعد، ثقافة الولاء الأعمى الذي يتقاطع مع كل الأطراف الشريكة بالوطن لا بالوطنية!!

الدكتور رائد عبيس

العزلة الدلالية.. والتحولات العقلية

نشعر اليوم بالطبيعة الانتقالية لعالمنا عبر طريقتين تتمثل الأولى على أنها نجاحات حقيقية، والثانية ربما تكون حكايات وهمية لتكنولوجيا المعلومات لأحداث وحدوث تحولات ثقافية وعقلية، لكن لا أحد يعلم ما إذا كان ذلك صحيحًا، غير إن الحقيقة تبقى في أن كل دولة تخضع لضغوط معينة في اتجاه التحول من قبل كلاُ من القوى الداخلية والخارجية، وفي ذات الوقت فأن المشاكل الاقتصادية عصفت بالعديد من الدول التي لم تفكر في ذلك الموضوع ولم تتوقع حدوثه لها.

وبعيدا عن التكنولوجيا والاقتصاد فأننا ومع التقدم في سنوات عصرنا نجد انخفاض عدد الكلمات التي تعبر عن مواقف إنسانية وعاطفية حقيقية لا مصطنعة في النصوص والمواقف وفي مجمل الحياة العامة، ومن يتتبع المدونات والمؤلفات سيلاحظها انه وفي عقد الستينات وعقد السبعينات كانت مليئة بالعبارات الإنسانية والعاطفية اللا مفتعلة، إضافة إلى انعدام أو على الأقل تدني شديد في الكلمات المعادية للمجتمع، كما نلحظ فيها زيادة بكثر استخدام الضمائر الشخصية وتناغمها مجتمعا مع تدفق كلمات كثيرة للاتصال بين إفراد المجتمع، بينما تسجل حالات هذه العقود الزمنية انخفاضا حادا في الحالة المزاجية الإيجابية فضلا عن انقطاع اجتماعي كبير، وتحدث الناس عن وجود مستويات أكبر من الشعور بالوحدة والنقمة والعزلة الاجتماعية، ومع مرور الوقت وجدنا حتى كلمات الأغاني الشائعة قد تغيرت وأصبحت تتضمن كلمات أقل وأقل مما يتناغم ويتعلق بالتفاعل الاجتماعي.

إن كلمات الأغنية تسمح لنا بفهم التغيرات الثقافية في الظروف النفسية للشعوب ولذا يمكن أن يكون للاحتلال الذهني نظرة مقنعة أو مترنحة إلى العالم عبر النظارات العقلية للأشخاص الآخرين، وبمعنى أكثر دقة عبر اللغة حين نرى عبرها تأكيدها للمعاني التي تعمل ذهابا وايابا في هذا المجتمع أو ذاك، ومع إن اللغة ليست سوى جزء من المشكلة لأنها في الأساس الناقل للمحتوى وهذه هي وظيفتها الرئيسية ونحن أكثر تأثرًا بالمعاني التي تحملها ومع ذلك وفي غياب المعاني الاجتماعية التي تهدف إلى البقاء الكافي للمجتمع تأتي المعاني الفردية الفاقدة للمذاق والذوق الاجتماعي الصحيح وهي لا تأتي بمعاني فردية صحيحة إذ أصبح الكذب والشغف بالمال والإثراء هدفاً فردياً لأفراد المجتمعات وهذا هو الذي اوجد نوعًا مختلفًا تمامًا من النخبة والمرتكزة على أهداف متدنية عديدة.

ان الاحتلال الذهني يحدث بعصرنا هذا فلدينا فوضى لا تقل عن فوضى الفلسفة السلطوية العربية، فلماذا تفعل الفوضى بنا ذلك؟ وأنتم بطريقة ما قد تظنوا الجواب بسيطا عبر الارتكاز إصلاحيا على القيم الاجتماعية التي تعترف بالأغلبية وتعترف بالحرية والمسؤولية باعتبارها ضرورة حيوية وباحترام الذات واحترام الآخرين وببناء الثقة كأساس للعلاقات في المجتمع، فهل هذه فقط هي المعاني الغائبة عن المجتمعات؟ وهل لتلك الأسباب لا يمكن للمجتمعات إن تكون أفضل؟ ولا أن تعمل بشكل مناسب؟؟ إن الحاجة إلى المصائر الفردية تدخل الساحة، والعالم تتكسر أرواحه باستمرار عبر التحولات العقلية، لتدخل وتشتبك الأفكار القديمة والجديدة في صراع ويتوافق ذلك النهج إلى حد كبير مع وجهة النظر القائلة بأن علماء المستقبل والحروب يفعلون ذلك عند النظر في الهياكل الأمنية للمستقبل ويؤكدون على سقوط الاعتماد البشري على الدولة والذي تناغم ليصبح غير ضروريا مع مطالب وحرية حركة الناس والأفكار.

عبر ذلك وجدنا إن الصورة الناتجة عن التحول العقلي الفوضوي الحديث تصبح رفضًا كاملاً للمعايير العقلية السابقة التي بُني عليها العالم واليوم جعلنا من انتقالنًا جدا متناقضًا، فكانت المجتمعات تسعى من أجل تحقيق الحرية للجميع ومنح الراحة للأغلبية وإعلان حقوق وحريات الأقليات كنقطة مرجعية لتقييم مستوى التقدم البشري، لكن في الوقت الحالي ومع حلول الألفية الجديدة أدت ولعبت الروح الغربية التي تندفع وتتجاوز كل الحواجز وكل الحدود ولأنها كانت قادرة على تحقيق الكثير بإدراك وفهم وإعادة التفكير وتغيير النموذج بشكل جذري لكنها وبدلاً من قيادة البشرية بعيداً عن ممارسة العنف العالمي والوحشي هرعت بمسيرة الحرية البشرية إلى أسفل التل!! وعلى كل حال لقد بدأ عالم اليوم في التحرك بسرعة أكبر مما كان عليه في الماضي وكل يوم يتحرك بعيدا عنا وإذا كان بالإمكان تحديد مهام “اللحاق والتجاوز” السابقة فإن مثل هذه المهام أصبحت اليوم بعيدة المنال بالنسبة لنا، ودائمًا ما يكون تغيير صورة العالم ديناميكيًا مؤلمًا للوعي الجماعي فلذلك قد يتم إدراك الوضع من قبل حقيقة أن الشخص مستعد للتصديق في كل شيء من أجل البقاء على قيد الحياة الخاصة به!! وإن دراسة خداع الإنسان الذاتي تدفعنا بالضبط إلى هذا الاستنتاج عبر تأكيد وانتهاج وظيفة الغش وخداع الذات في المجتمع البشري، ولان كل أهدافنا التطورية الهامة تتطلب التفاعل والمنافسة مع الآخرين، لإن القدرة على إقناع الآخرين بتحقيق أهدافنا أمر أساسي لبقائنا، لدرجة انه قيل إن الاستدلال ينشأ إلى حد كبير اثر إقناع الآخرين وليس بالبحث عن الحقيقة وذلك بعد إن يكون مرتبطا بفرضية الذكاء الاجتماعي التي وبموجبها يتلقى الدماغ البشري شحنا كبيرًا كي يتصرف حامليه بشكل فعال في البيئة الاجتماعية مع أشخاص آخرين ليسلطوا الضوء على إمكانية تفعيل أحوال الناس حتى لو كانوا يؤمنوا بالسلب والخطأ.

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

في أخــلاقيــة الضمــير والــوعي الأخــلاقي

الضمير الأخلاقي أو الذات الأخلاقية صنوان لفعل قيمي، باعتبارها إحدى أهم تجليات وعي الذات الشخصية للواجب والمسؤولية تجاه المجتمع والعالم.

وحسب معجم علم الاخلاق قد “لا يتجلّى الضّمير في صورة إدراك عقلي لقيمة الأفعال الأخلاقيّة، فقط، بل وفي صورة معاناة عاطفيّة، كما في الشّعور بتأنيب الضّمير، أو في أحاسيس ” راحة الضمير الإيجابية”. فالمحسوس أحيانا لا يشي بالحقيقة المدركة عقليا، ولهذا يمكن تشكيله عبر تمفصلات أخرى، بفعل تقدير وفهم الفرد للسلوك أو الفعل الخاص والاستجابة الإيجابية للتغيير، بما هو تهذيب وارتفاع وجداني وأخلاقي.

إذا كان الضمير المقصود جملة من المعارف الباطنية الضامة للمشاعر والعواطف والانفعالات والسرائر فإن ثمة ما يجسد حضوره الميتافيزيقي على مستوى الحواس، وهو رابط فلسفي جوهري بالدلالة على شحن الوعي الأخلاقي وتقديره وتحفيزه أن يكون كيانا وجدانيا متعاليا يضطلع بمهام الشّعور المتاخم بين الخير والشّرّ، ومحاكمة الذّات ومحاسبتها، ومراقبتها وفق الأبعاد والخلفيات النفسية والعقلية.

ألا يستدعي ذلك مقاربة جملة من الاعتبارات الخاصة بسلطة الضمير وتقاطعاته الروحية والوجدانية.

كيف يكون للضمير يد على الآخر؟ ما علامات تصاعد مقدرات الضمير وعائدات هدمه للأفعال المرفوضة أخلاقيا؟ كيف يستعيد الضمير شخصيته الكاريزمية؟ وهل هو معصوم من الخطأ والردة الاخلاقية؟ وهل هناك ضمير راشد وضمير طائش فاسد؟

الحقيقة أن أسئلة سوسيولوجية كثيرة تستنتج درجة معقولة من التفكير بين شقين للضمير. واحد مفرد يتقاطع مع آخر جمعي. وبينهما شعرة معاوية، حيث يمكن ترسيم حدود للوعي الشقي بينهما.

إن الغاية الأخلاقية هي من تثير جدلا الفصل بين الضميرين، حيث يمكن استيعاب درجات المعايير السلوكية، ما بين الواجبات والسلوك الملزم.

وسلطة الإلزام تلك صادرة عن مصدرين، الوازع الداخلي وسلطة المجتمع. وهو ما يؤكد من فرضية استمداد قوة القيم الأخلاقية من الطابع الإلزامي للضمير الفردي قبل الجماعي.

كما يمكن تفسير علاقة القيم الأخلاقية بالحرية الشخصية انطلاقا من حتمية تصريف مجموعة من السلوكيات والمواقف اعتبارا للعلاقة بين العقل والواقع، وانشداد الإرادة بالوعي إلى بلوغ الهدف، باعتبار الإرادة قدرة على الاختيار والتصرف وفق ما يمليه تفكير الفرد، وحسب قناعته.

من أجمل ما انطبع في الدلالات الأخلاقية لدى فلاسفة التصوف اجتراح الضمير الأخلاقي لوحدتي الوجود والمعرفة. لهذا كان ابن عربي يستنفر قيمتي الذوق والمحبة، لتحويلهما إلى قيمة أخلاقية كبرى، ضمن إواليات قيم الإيثار الصوفي الراسخ.

فالمجاهدة التي هي الأخلاق العملية المرتبطة بالسلوك البشري، هي تهذيب النفس وإعدادها لبلوغ الكمال والشعور بالسعادة. ولا يتأتى ذلك إلا باقتفاء أثرين صميمين: سياسة النفس ظاهرا وسياسة النفس باطنا.

وكم هو صعب هذا التوق إلى مسايسة النفس وترويضها وتعميدها بماء الصد والرد والإغارة.

وإذا كان الأمر معقودا على النظر في النفس قبل التدبر فكيف بها وهي منفلتة خاضعة للهوى والضعف الدنيوي المادي!؟ .

لكنها مع ذلك تدرك أصلانيتها في جوهرها ومادتها المتحلقة، حيث تصطلي الحكمة عند الإشراق وتكمن في الظلمة عند الإخفاق. يقول الشاعر :

إنما النفـس كالزجاجة والعقـل

سراج وحـكمـة اللـه زيـت

فـإذا أشـرقـت فـإنّـك حـي

وإذا أظـلمـت فـإنّـك مـيْـت

د . مصــطفى غَــلْمَـان*

المجتمعان المدني والأهلي.. الأهداف وآلية العمل

كثيراً ما تتداخل المفاهيم السياسية والفلسفية والثقافية والأخلاقية. الخ مع بعضها بعضاً، الأمر الذي يؤدي إلى خلق إشكال معرفي وسلوكي لدى المتلقي أو المتبني لهذه المفاهيم. ومن هذه المفاهيم التي تداخلت مع بعضها يأتي تداخل مفهومي المجتمع الأهلي والمجتمع المدني، الأمر الذي يدفعنا هنا لفك الارتباط أو التداخل بين المفهومين، بغية الوصول إلى معرفة كل منهما ودوره وأهدافه وآلية عمله، وبالتالي امتلاك القدرة في التعامل مع كل منهما وفقاً للظرف التاريخي المعيوش.

إذن هناك فرق بين المجتمعين الأهلي والمدني، فالمجتمع الأهلي هو مجموعة من المتحدات التضامنية ذات الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والتي غالباً ما يصب نشاطها بالضرورة بشكل مباشر أو غير مباشر في مساعدة الأنظمة السياسية القائمة لتحقيق التنمية في الدولة والمجتمع. وذلك من خلال تحالف وتضامن بعض المتطوعين من المواطنين ورجال الخير، الذين يضعون لعملهم أهدافاً غالباً ما تأخذ وجهاً إنسانياً خيرياً، حيث يتجلى عمل هذه المتحدات في الاشتغال مثلاً على حقوق المرأة، والطفولة، والمعوقين ذهنيا أو جسدياً، كالمكفوفين والعجزة وذوي الأمراض المستعصية وغير ذلك.

إن أهم ما يميز عمل هذه المتحدات الاجتماعية الخيرية، هو حالة التنظيم في سريان عمل لجان هذه المتحدات، ووصول أعضائها إلى تسلم المهام فيها. حيث نجد أن هناك عملاً يقوم على خطط ممنهجة قابلة للتطوير والتجديد دائماً، مثلما نجد هناك خطاً ديمقراطياً واضحاً في سير عملها، إن كان على مستوى وصول قيادات هذه المتحدات عبر الترشح والانتخاب، أو عبر اتخاذ القرات الحاسمة في شأن هذا المتحد أو ذاك.

أما بالنسبة للمجتمع المدني : وهو مشتق هنا من المدينة، والمدنية. أي مشتق بتعبير آخر من الوضعية التاريخية لتطور المجتمعات التي وصل فيها المجتمع والدولة إلى مرحلة لم يعد فيها ذاك الدور الكبير والفاعل للمرجعيات التقليدية (عشيرة وقبيلة وطائفة ومذهب) في ضبط آلية حركة المجتمع من جهة، مثلما أصبح لمكونات بنية المجتمع والدولة في هذه المرحلة دلالاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية من جهة ثانية.

فعلى المستوى الاقتصادي: تأتي دلالات المجتمع المدني في التوجه نحو اقتصاد قادر على تحقيق تنمية مستدامة للدولة والمجتمع معاً. أي التوجه لتجاوز اقتصاد السوق العينية والصغيرة والريعية، إلى سوق اقتصادية أكثر سعة وشمولية ومنهجية قادرة على خلق دخل إضافي لميزانيات الدولة ينعكس إيجاباً على حياة الفرد والمجتمع.

وعلى المستوى الاجتماعي: تأتي دلالات المجتمع المدني في السعي لتحقيق دولة المواطنة والقانون والمؤسسات، بدلاً عن دولة العشيرة والقبيلة والطائفة والحزب الواحد.

أما دلالاته على المستوى السياسي: فتأتي بالدعوة إلى التعددية السياسية وتداول السلطة والمشاركة فيها واعتبار الشعب هو مصدر السلطات.

وعلى المستوى الثقافي: فدلالاته تكمن في محاربة كل الفكر الرجعي المثالي والامتثالي الاستسلامي الوثوقي، والتأكيد على دور العقل النقدي وحرية الإنسان في صنع حياته وحياة الأجيال القادمة. ويدخل في هذا الاتجاه تنمية عقل الفرد والمجتمع على ضرورة التعامل مع خصوصيات الحاضر دون نكران الماضي والمستقبل. فالماضي يظل يحمل في مضمونه جوانب عقلانية لولاها لما استمر التاريخ أصلاً، ومن هنا تأتي عملية الربط بين الأصالة والمعاصرة.

إن أهم مرتكزات المجتمع المدني هنا، هي أن المتحدات الاجتماعية التي تواجدت في المجتمع الأهلي تظل قائمة، مع دخول متحدات جديدة ذات طابع سياسي (أحزاب)، هدفها الوصول إلى السلطة، من أجل المشاركة فيها وبالتالي تداولها.

إن المجتمع المدني يعني في المحصلة الدولة المدنية، التي تأسست فيها قواعد بناء المجتمع والدولة الحديثين، وأهم ما تأسس فيها في هذا الاتجاه، هو العلمانية والديمقراطية، ففي الديمقراطية تتحقق المشاركة، وفي المشاركة يقضى على التفرد بالسلطة، وعبرها يتساوى الناس في الحقوق والواجبات، وفي الديمقراطية يُفرض احترام المرأة، والرأي والرأي الآخر. أما العلمانية وهي الوجه الاخر للديمقراطية، ففيها يسود العقل والمنطق في تطبيق سياسية الدولة الداخلية والخارجية بما يخدم مصلحة الدولة وهيبتها وحماية المجتمع ووحدته وتجذير فكرة المواطنة فيه .. في العلمانية تتم عملية ضبط الديمقراطية ذاتها بحيث لا تتحول الديمقراطية إلى أداة لتفجير المرجعيات التقليدية واستخدامها في صراعات داخلية من أجل الوصول إلى السلطة و والحصول على الغنيمة. فالعلمانية هنا ترسم الحدود بين مصلحة المجتمع ومصلحة الفرد، وبين مصلحة الدولة المؤسساتية، أو المواطنة، وبين دولة العشيرة والقبيلة والطائفة.

إن المجتمع المدني في المحصلة هو الدولة المدنية.

كاتب وباحث من ديرالزور- سورية

كيف نفسر الفكر السياسي الإسلامي أبستمولوجيا؟! (4)

نعود إلي الجزء الرابع من التفسير الابستمولوجي لنشأة وتطور الفكر السياسي عند المسلمين ، فنقول :

إذا ما انتقلنا إلي ابن رشد في القرن السادس الهجري، وذلك في كتابه “الضروري في “السياسة في السياسة”، والذي يحاول من خلاله أن يدشن قطيعة معرفية مع كل من “الفارابي” و”ابن سينا”، لكونه خلافًا لما شاع وذاع، لم يعمل على التوفيق بين الدين والفلسفة بدمج الدين في الفلسفة كما فعل الفيلسوفان المشرقيان، بل عمل بالعكس من ذلك على الفصل بينهما؛ وهنا نستشهد بقول الدكتور “محمد عابد الجابري” بأن: ” ابن رشد يرى أن للدين مبادئ وأصولًا خاصة، وأن للفلسفة كذلك مبادئ وأصولًا خاصة، الشيء الذي ينتج عنه حتمًا اختلاف البناء الديني، عن البناء الفلسفي، ولذلك كان من غير المشروع في نظره دمج أجزاء من هذا البناء في البناء الآخر، أو قراءة أجزاء من هذا البناء بواسطة أجزاء من ذلك. إن النتيجة ستكون … تشويه تلك الأجزاء والتشويش على البنائين معًا .

فلاشك في أن ابن رشد في كتابه الضروري قد قطع مع نوع “الكلام” الذي تكلمه الفارابي في السياسة والمدينة الفاضلة،” ليدشن خطابًا جديدًا في العلم المدني، يواجه السياسة بموقف سياسي صريح وشجاع، وهو هذا الكتاب يمارس فيه ابن رشد نقدًا صريحًا وجريئًا للحكم في عصره، مفضلاً ترك الأمثلة التي يعطيها أفلاطون عن زمانه ومكانه، ليعطي هو أمثلة أخرى معاصرة له: عن زمانه هو ومكانه هو”.

ويذكر ابن رشد بأن كتاب “السياسة” لأرسطو غير متوفر لديه، لذلك يلجأ إلي تلخيص كتاب السياسة لأفلاطون .

وفي هذا الكتاب حرص “ابن رشد” على تقسيم وتصنيف العلوم، واهتم بتحديد موضوع السياسة، والأسس التي يقوم عليها. فهو يرى أن هناك اختلافًا جوهريًا بين العلوم العملية والعلوم النظرية، ذلك أن موضوع العلم العملي الذي يتضمن السياسة، والأخلاق هو الأفعال الإرادية التي تصدر عن البشر ومبادئه التي، تتمثل في الإرادة والاختيار، أما موضوع العلم النظري فيشتمل على علم التعاليم بأقسامه، كذلك يشمل الفلك وكل ما يتعلق بالأمور الطبيعية.

وقد انتقد البعض الفكر السياسي عند الفارابي، وابن سينا، وإخوان الصفا، وابن رشد؛ مؤكدين بأن ” المرجعية الفكرية، والفلسفية، والدينية التي اتخذها هؤلاء الفلاسفة مستندًا ومتكأ، ثم على تصورهم السياسي المنبثق من عقيدتهم وموقفهم الإيماني؛ وأعرضنا مطلقًا عما رُموا به من قبل العامة والخاصة، من انتماء باطني أو صابئي أو أصول يهودية، مما لا يُدفع عنهم بشغب سوفسطائي يثيره أنصار لهم، لأهواء مشتركة أو جذور متقاربة أو نزعات طاغية. علمًا بأن فكرهم السياسي، لم يتبلور قط إلي مستوى صياغة نظام للحكم متكامل، بمنهجه ونظمه للإدارة، والمال، والتدبير العام ؛ وإنما كان مبثوثًا في كتبهم الفلسفية التي التزموا فيها بالنهج الأفلاطوني شكلًا ومضموناً، فوردت أفكارهم ضمن رسائل حول قضايا الغيب والشهود، والمادة، والروح، والطبيعة وما وراءها، والاجتماع البشري، والسعادة، والشقاوة؛ مثلما هو حال رسائل إخوان الصفا والفارابي، وما صنفه ابن سينا في القضاء والقدر والفيض الإلهي والمبدأ والمعاد والأخلاق والحكمة .

علاوة على أن البعض يرى بأن أنصار الاتجاه اليوناني يرتكزون على قاعدة أساسية متينة، وهي أن النظام السياسي الإسلامي ما كان منبثقًا من مرجعية الكتاب والسنة، عقيدة وأصولًا وفروعًا. وما عدا ذلك يُحتمل أن يكون متأثرًا بالإسلام، أو ملتقيًا به في بعض جزئياته أو كلياته ؛ إلا أنه لا يمثل النظام السياسي الإسلامي الحق تمثيلاً صادقاً. ذلك لأن بوصلة التوجه إلي أي هدف هي التصور الإيماني السليم الواضح. وكل شغب يشاغب على هذا التصور ينعكس سلبًا على التصرفات، عقلية كانت أو سلوكية .

وهذا يفرض علينا ألا نغفل ملاحظة اهتزاز عقيدة هؤلاء الفلاسفة، واضطراب مرجعيتهم الفكرية؛ وإن التقت في بعض جزئياتها بالعقيدة الإسلامية، التقاءً عفويًا بسبب انتمائهم إلى المجتمع الإسلامي وثقافته، أو التقاءً إراديًا بقصد التمويه على انحرافهم الديني باعتناقهم آراء وثنية لفلاسفة من الفرس والهند واليونان، في نظرتهم إلي عالمي الغيب والشهود، وبدعوتهم إلى نظم للحياة الاجتماعية، والسياسية، والثقافية منبثقة عنها .

ثالثًا: المرحلة الاستنباطية.

وهي المرحلة التي أفضى فيها التراكم المعرفي الذي حققه تطور العلم أو الفكر في المرحلتين الوصفية، والتجريبية، وقد أدى هذا التراكم الكمي إلى تغير كيفي على ثلاثة مستويات محددة: مستوى الوسائل العقلية المنهجية من جانب، ومستوى مفاهيم العلم أو الفكر ومبادئه من جانب آخر. أما المستوى الثالث فهو مستوى نظرية العلم أو الفكر، التي تحدد البنية أو الشكل الذي سيجئ عليه العلم أو الفكر في هذه المرحلة. وفي المرحلة الاستنباطية يتم صياغة الحد الأدنى من قواعد العلم ومبادئه، التي تمكن المختصين من الانتقال من مبدأ، أو أكثر داخل العلم أو الفكر، إلى مبدأ جديد، كما هو الحال في المنطق، والرياضيات، أو تمكنهم من التنبؤ بما سيحدث مستقبلًا –

بحسب مبدأ عام مستقر – كما هو الحال في العلوم الطبيعية، أو تؤهلهم أخيرًا لاستنباط أحكام معينة من قواعد عامة لحل مشكلات اجتماعية جزئية معينة، وهذا هو مثلاً شأن علم القانون .

والمرحلة الاستنباطية تمثل المرحلة التي تسعي إلي قطع الصلة بالمرحلة التجريبية التي قام بها الفارابي، وابن سينا، وإخوان الصفا، وابن رشد؛ والتي ثبت فشلها، بعد أن تبين أنها غير مقنعة ولا ترضي كل الأطراف، وبالتالي فهي نوع من القطيعة المعرفية، أو المغايرة النسقية.

والمغايرة النسقية هي ” التغير الذي ينتج عنه أمراً جديداً كل الجدة، ولكنها عبارة عن مسار معقد متشابك الأطراف تنتج عنه مرحلة جديدة متميزة في تاريخ العلم ” ؛ ومعالم المغايرة النسقية يمكن تتبعها على ثلاثة مستويات كما ذكرنا: مستوي لغة العلم من جانب، ومنهجه من جانب آخر، ومستوي نظرية العلم من جانب ثالث .

ويمكن تطبيق هذا المبدأ المعرفي على “السياسة الشرعية” التي لجأ إليها كل طوائف الفقهاء والعلماء عوضًا عن السياسية المدنية، والسياسة النفسية، التي لجأ إليها الفلاسفة في المرحلة التجريبية، فإذا كانت السياسة المدنية هي” تدبير شؤون الجماعة على وجه يتنظم بها أمرها، أي على وضع من الأوضاع، بقطع النظر عن موافقة هذه الأوضاع للشرائع السماوية أو عدم موافقتها ، بقطع النظر عن كونها سببًا في نجاة الجماعة في الآخرة أو عدم نجاتهم” ؛ وإذا كان هدف السياسة النفسية هو” تهذيب نفوس الناس واستصلاح بواطنهم بتطبيق قواعد الأخلاق. والتزام الناس بتهذيب أنفسهم وأخلاقهم بدون سائس، وما يعرف “بالمجتمع الفاضل”، والمكان الذي يقيمون فيه” بالمدينة الفاضلة”، فهذا أمر بعيد الوقوع، والكلام فيه على سبيل الفرض والتقدير كما قال ابن الأزرق .

ولما ثبت أن السياسة المدنية ، والسياسة النفسية التي لجأ إليها الفلاسفة في المرحلة التجريبية فاشلة في تحقيق أغراضها، ولا تواكب مستجدات الواقع الإسلامي خلال القرن السادس، والسابع، والثامن الهجري، لذلك لجأ العلماء والمفكرون خلال تلك المرحلة إلي السياسة الشرعية ، والآداب السلطانية، ونصائح الملوك، المتأثرة بالفقه، والشريعة الإسلامية، وحالوا أن يضعوا لها لغة ومنهجًا ونظرية مختلفة، عما كان متداولاً في المرحلة التجريبية، فقد تلاشت في تلك المرحلة فكرة الحاكم الفيلسوف وفكرة المدينة الفاضلة، التي يجب أن نسعي إلي تطبيقها على الأرض، إلي الرجوع للواقع نفسه، ومعالجة مستجدات واقعه السياسي تبعاً للعقيدة والشريعة الإسلامية، لذلك وجدنا في تلك المرحلة الكثير من الفقهاء يكتبون كتباً مفردة تعالج نظم الدولة الإسلامية، على أساس فقهي، ومنها الأحكام السلطانية للقاضي الشافعي “أبي الحسن على الماوردي”، وكتابًا آخر بنفس الاسم للقاضي الحنبلي “أبي يعلى محمد بن الفراء” ( ت: 458هـ) . وأعقب ذلك في زمن لاحق كتاب الإمام تقي الدين أحمد بن تيمية ( ت: 728هـ) ” السياسة الشرعية ” ، الذي تظاهره كتابات متعددة أخرى تتصل مباحثها بالدولة والحكم ومنها ” الحسبة ” و” الجهاد ” وغيرهما . فمثلًا نجد كتاب ” تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام ” ، كذلك كتب الإمام ابن قيم الجوزية ( ت: 751هـ) كتابه الضخم المتميز ” أحكام أهل الذمة ” وعرض للسياسة الشرعية في كتابه الممتع الكبير “إعلام الموقعين” ، وفي كتابه الصغير ” الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ” الذي اتجه أساسًا لبحث ” الحكم” بمعناه الأخص وهو القضاء وعني به إيضاح البينات والقرائن في الدعاوي والأقضية .

كذلك عني بعض المؤرخين بتتبع تطور نظم الدولة الإسلامية على أرض الواقع التاريخي، مثل ” الجهشياري ( ت: 330هـ) في كتابه ” الوزراء والكتاب “، والصابي ( ت: 448هـ) في كتابه “تاريخ الوزراء”، والكندي ( ت: 350هـ) في ” كتاب الولاة وكتاب القضاة”، وابن طباطا المعروف بابن الطقطقي ( ت: 709هـ) في “الفخري”، هذا إلى جانب متفرق في كتب التاريخ والتراجم. وقد جاءت مقدمة ابن خلدون المعروفة والتي كتبها ابن خلدون ( ت: 808هـ)، تجمع بين جانبي التأصيل الفقهي والتطور التاريخي في عرض نظم الدولة الإسلامية .

وفي هذه المرحلة سار الفقهاء والمتكلمون على نهج تشريعي، لما ينبغي، وما يجب وما يجوز، وما لا يجوز في نظام الخلافة وتدبير أمر الدولة. واستوفت أبحاثهم نظم الملك، والوزارة، والإدارة، والقضاء، والحسبة، والأموال، وتنظيم الجيوش، والعلاقات مع داري الحرب والمهادنة. كما بذلوا جهودًا جبارة من أجل تبرير تصرفات الملوك وإضفاء الشرعية عليها، وإرشادهم إلى ما يحفظ عروشهم ويحببهم إلى الرعية .

علاوة على أنه في هذه المرحلة التي بدأت فيها تتشكل القاعدة، والقاعدة هي حكم كلي ينطبق على جميع جزئياته أو أكثرها، لتعرف أحكامها منها، وفي تلك المرحلة بدأت تظهر القاعدة الفقهية لكثير من القضايا السياسية ، ومن أمثلتها:” الأمور بمقاصدها”، “العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني”،” الأصل في الكلام الحقيقة”، “إذا تعذرت الحقيقة يُصار إلى المجاز”، “لا يُنسب إلى ساكت قول”، “لا اجتهاد في مورد النص”، ” اليقين لا يزول بالشك”،” الأصل براءة الذمة”، “المشقة تجلب التيسير”،” الضرورات تبيح المحظورات”،” الضرورات تُقدر بقدرها”،” لا ضرر ولا ضرار، درء المفاسد أولى من جلب المصالح”،” البينة حجة متعدية والإقرار حجة قاصرة”، “الغرم بالغنم”،” الحدود تُدرأ بالشبهات”، “إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام”، “الأصل في الأشياء الإباحة”، “ما لا يتم به الواجب فهو واجب”، “الإسلام يجُب ما قبله، للأكثر حكم الكل”، . إلى غير ذلك من القواعد الفقهية التي كان تأصيلها نتيجة استقراءات الفقهاء والمجتهدين .

والقاعدة الفقهية كما نلاحظ هنا هي ” المبادئ العامة للفقه الإسلامي التي تتضمن أحكاما شرعية عامة تنطبق على الوقائع والحوادث التي تدخل تحت موضوعها، أما النظريات الفقهية فهي المفاهيم الكبرى التي يُؤلف كل منها على حدة نظامًا حقوقيًا موضوعيًا ينبثق من الفقه الإسلامي ومُتحكمًا في كل ما يتصل بموضوعه. والفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي: أن القاعدة تجمع فروعًا من أبواب شتي، والضابط يجمعها من باب واحد. من أمثلة الضوابط في السياسة الشرعية “تصرف الولاة منوط بالمصلحة “، “العقوبة لا تكون إلا على ذنب ثابت أما المنع والاحتراز فيكون مع التهمة” ،” ضبط المصالح العامة واجب ولا ينضبط إلا بعظمة الأئمة في نفس الرعية “،” يجوز في الجهاد ما لا يجوز في غيره، يراعي في كل ولاية الصلح لها” ،” الجهاد مشروع في الجملة ويمنع منه في مواضع “، “لا يجوز الافتيات على الأئمة وأصحاب الولايات فيما يخصهم ،الأصل في الدماء العصمة” .

وبعد أن تشكلت القاعدة الفقهية لكثير من القضايا السياسية، أضحت السياسة الشرعية علما له لغته ومنهجه الخاص به، حيث يعرف بأنه هو “علم يبحث فيه عن الأحكام والنظم التي تدبر شؤون الدولة الإسلامية التي لم يرد فيها نص أو التي من شأنها التغير والتبدل، بما يحقق مصلحة الأمة، ويتفق مع أحكام الشريعة وأصولها العامة ؛ أو ” العلم الذي يُبحث فيه عن الأحكام والنظم التي تدار بها شؤون الأمة بما يحقق مصلحتها ويكون متفقًا مع أحكام الشريعة وقواعدها العامة. وهذا يقتضي وجود سائس وهو الحاكم ، سواء كان خليفة، أو ملكاً، أو أميراً، أو وإلياً، ويقتضي وجود مسوس ، وهم أفراد الرعية المحكومون، وشيء تساس به الأمة، وهو النظم والأحكام التي تدبر بها شؤون هؤلاء المحكومين في إطار ولايات متمايزة، يختص كل ولاية بمرفق من مرافق الدولة، مثل الوزارة، والإمارة على الأقاليم والبلدان، وإمارة الجيش وولاية المظالم، وولاية الحسبة، وولاية القضاء، وغيرها من الولايات التي أوصلها الماوردي في كتابه “الأحكام السلطانية” إلى ثماني عشرة ولاية”.

وبناء على ذلك تكون مباحث السياسة الشرعية وموضوعاته على النحو التالي:

1- الوقائع المتعلقة بعلاقة الحاكمين بالمحكومين بتحديد سلطة الحاكم، وبيان حقوقه وواجباته، وحقوق الأفراد وواجباتهم ، وبيان السلطات المختلفة في الدولة، من قضائية، وتنفيذية، وغيرها، وهذه المباحث أُطلق عليها اسم: نظام الحكم في الإسلام، ويطلق عليها بعض المعاصرين: السياسة الدستورية الشرعية، ويقابلها في القوانين الوضعية القانون الدستوري .

2- الوقائع المتعلقة بعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول في حالتي السلم والحرب، وقد أطلق على هذه المباحث: النظام الدولي في الإسلام، ويسميها بعض العلماء المعاصرين باسم: السياسة الخارجية في الإسلام، ويسميها بعض آخر باسم: السياسة الدولية في الإسلام، ويقابل هذه المباحث في القوانين الوضعية القانون الدولي العام .

3- الوقائع المتعلقة بالضرائب، وجباية الأموال وموارد الدولة ومصارفها، ونظام بيت المال، وقد أطلق على هذه المباحث اسم: النظام المالي في الإسلام، ويسميها البعض باسم: السياسة المالية في الإسلام، ويقابل هذه المباحث في القوانين الوضعية: القانون المالي، أو علم المالية .

4- الوقائع المتعلقة بتداول المال، وكيفية تنظيم استثماره، وتدخل الدولة في ذلك، والآراء والنظم الجديدة، كالاشتراكية، والشيوعية، والرأسمالية، وقد أطلق على هذه المباحث اسم: النظام الاقتصادي في الإسلام، ويسميها البعض باسم: السياسة الاقتصادية في الإسلام، ويقابل هذه المباحث في القوانين الوضعية: علم الاقتصاد .

5- الوقائع المتعلقة بالنظم القضائية وطرق القضاء والإثبات، وقد أطلق على هذه المباحث اسم: السياسة القضائية في الإسلام، ويسميها البعض باسم: علم القضاء، ويقابل هذه المباحث في القوانين الوضعية: قانون المرافعات، وقانون الإثبات، وبعض مباحث القانون الدستوري .

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

مفهوم المساواة والعدالة في منظومة الإمام علي

إن الإمام علي انطلق صوتا للعدالة الإنسانية من قاعدة الإسلام، سواءً في القرآن الكريم، أو سنة الرسول (ص) ناهيك عن سمات الإمام الحميدة من الإيمان والتقوى، والمعطيات العلمية والفقيهة التي أدت إلى إقامته العدل بين الناس، والذي يعد الدعامة الرئيسة في إقامة المجتمع الإسلامي، والحكم الإسلامي، إذ لا وجود للإسلام في مجتمع يسوده الظلم ولا يعرف العدل.

حظي كل من مفهوم (المُساواة) ومفهوم (العدالة) بالأهمية البالغة، عند المجتمعات البشرية كافة، سواء أكان ذلك في تأريخها أو حاضرها، وستعنى بهما الأجيال القادمة قطعا، لأهميتهما في التعبير عن الكرامة الإنسانية؛ والحرية؛ والأمان؛ والاستقرار النفسي والمجتمعي.

والمُساواة في اللغة هي مصدر الفعل ساوى، يُقال: ساوى بين شخصين؛ أي أنه جعلهما متعادلين ومتماثلين، وساوى بين الناس يُقصد أنه عادَلَ بينهم وأصلح. والمُساواة في الاصطلاح هي أن يحصل المرء على ما يحصل عليه الآخرون من الحقوق، كما عليه ما عليهم من واجبات، دون أي زيادة أو نقصان، وهي قيمة عظيمة تجعل جميع الأطراف سواء.

أما العدل في اللغة هو ضِدّ الجَوْر، وهو في الحُكم أن يُثاب المرء على الحسنة بالحسنة، وعلى السيئة بالسيئة، وهو التسوية بين الشيئين أيضاً. والعدل في الاصطلاح هو استخدام الأمور في مواضعها وأوقاتها الصحيحة من دون تقديمٍ أو تأخير.

وإن مفهوم العدل يعبر عن الإنصاف، كما يُعبر عن معاملة الناس بشكل متساوٍ، وعدم الانحياز لفئةٍ معينة، أو تعريضهم للظلم أو التعامل معهم بعنصرية، وذلك من خلال سن القوانين الاجتماعية، والسياسية، والجنائية، والتي من شأنها تحقيق الإنصاف بين أفراد المجتمع في مختلف المجالات الصحية، والتعليمية، وحتى في مجال الأعمال، وبصرف النظر عن أجناسهم وأعراقهم، كما يتجلى دور هذه القوانين في منح أفراد المجتمع الفرص المتساوية في الحياة، بالإضافة إلى حمايتهم في مختلف المجالات الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية.

ومن القواعد الأساسية للقانون الدولي لحقوق الإنسان، أن كل الناس سواسية أمام القانون، ولهم الحق في التمتع بحماية متكافئة دون أية تفرقة. وفيما يتعلق بالحق في المساواة؛ فإن المادة (٧) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على ما يلي: (الناس جميعا سواء أمام القانون، وهم يتساوون في حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز، كما يتساوون في حق التمتع بالحماية من أي تمييز ينتهك هذا الإعلان ومن أي تحـريض على مثل هذا التمييز).

ولا شك أن الشريعة الإسلامية وضعت مبادئ المساواة والعدالة والحرية في خط واحد يكمل أحدهما الآخر، لأن هذه المبادئ هي التي تعبر حقيقة عن كرامة الإنسان، التي تنشدها حقوق الإنسان في الدساتير والصكوك الدولية، فالمجتمع الذي لا مساواة فيه لا حرية فيه؛ ولا عدل؛ ولا سلام، ويكون مجتمعًا عنوانه الظلم والطغيان وسيطرة القوي على الضعيف والغني على الفقير.

يتجسد الأصل العام في البشر في حكمة الله سبحانه وتعالى الذي خلق جميع البشر متساوين في أصل الخلقة، أي في الإنسانية؛ فكل الناس لآدم وآدم خلق من تراب، لا فرق بين أبيض وأسود وأحمر، ولا طويل ولا قصير، ولا عربي ولا عجمي، ويدل على ذلك عدة نصوص منها: قوله تعالى: <يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ>، فالمساواة في الإنسانية التي أقرها الإسلام أسقطت كل نظريات الأجناس والأعراق والألوان واللغات، وقد جعل الإسلام المفاضلة بين الناس بالتقوى، فقال تعالى: (إِنَّ أكرمكم عِنْدَ اللَّهِ أتقاكم)، وقال رسول الله (ص): (لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أحمر إلا بالتقوى)، وقال أيضا (إنّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).

ولا شك أن ربيب الرسول وأخاه الإمام علي بن أبي طالب (ع) الذي نال من الأفضال والمكارم والمعارف ما لم يناله أحد من أصحاب الرسول (ص) كان القدوة الحسنة في زمنه في تجسيد المساواة الإنسانية والعدالة الاجتماعية في تلك العهود الغابرة، وكان المثل الأبرز للمجتمعات الإنسانية التي تلته.

ومن الجدير بالذكر إن الإمام علي (ع) انطلق صوتا للعدالة الإنسانية من قاعدة الإسلام، سواءً في القرآن الكريم، أو سنة الرسول (ص) ناهيك عن سمات الإمام الحميدة من الإيمان والتقوى، والمعطيات العلمية والفقيهة التي أدت إلى إقامته العدل بين الناس، والذي يعد الدعامة الرئيسة في إقامة المجتمع الإسلامي، والحكم الإسلامي، إذ لا وجود للإسلام في مجتمع يسوده الظلم ولا يعرف العدل، وكانت مسائل العدالة والحكومة هي من أكثر ما أهتم به الإمام (ع)، ولعل أهم ملامح المساواة والعدالة التي طبق الإمام علي (ع) تتلخص في الآتي:

1- العدالة الإنسانية مبدأ: لقد شكلت العدالة في منظور الإمام هاجسا حيا يتفاعل معه، ويسعى إلى تحقيقه، ويشدد على المشتغلين معه في إتباع العدالة وتنشيط مفاصلها، يوجههم في ذلك ويراقبهم عليه، ويعزلهم إذا قصروا، ويشيد بهم إذا تتبعوا منهج الحق في ذلك. لذا لم ينشغل فكر الإمام في شيء بقدر انشغاله في موضوع العدل والإنصاف وتطبيق برنامج المساواة.

إن منظور الإمام علي (ع) لتطبيق العدالة ينطلق من كون المساواة لا تتحدد بالمساواة في المعيشة والرزق فحسب، إنما يتعداه إلى إنصاف الناس في كل شيء. وانطلاقا من هذا المفهوم، شدد الإمام على تطبيق المساواة في كل شيء، كي يشعر الناس بالعدل، ويسود المجتمع مظاهر الحق والعدل والمساواة. ووجب ذلك على الحكام أنفسهم، إذ تتحقق العدالة الاجتماعية حينما يكون الحكام عدولا. ولهذا كتب الإمام عهدا إلى محمد بن أبي بكر حين قلده مصر هو بمثابة برنامج عمل لتطبيق مبدأ العدالة الإنسانية: (فاخفض لهم جناحك، وألن لهم جانبك، وابسط لهم وجهك، وآس بينهم في اللحظة والنظرة، حتى لا يطمع العظماء في حيفك لهم، ولا ييأس الضعفاء من عدلك عليهم. ) وقد تجسد ذلك بقوله لما عوتب على التسوية في العطاء: (أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه! . لو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف وإنما المال مال لله).

2- العدالة مفتاح الحقوق الأخرى: كان الإمام علي (ع) يدرك إن العدالة مفتاح لدخول الحقوق الأخرى، فلو انعدمت العدالة في المجتمع لانعدم ما دونها، لذا شدد على تحقيقها منطلقا من كون الناس جميعا أحرارا، يولدون ويموتون، وليس من حق أي كان أن يسلبهم هذا الحق فقد قال: (أيها الناس! إن آدم لم يلد عبدا ولا أمة، وإن الناس كلهم أحرارا) كما حذر من انجرار الناس إلى بعضهم حتى يصل بعضهم إلى أن يتنازل عن حريته ليكون في موضع العبودية، فيفقد غاية وجوده، ويتحول إلى مسلوب الإرادة. وقد يتمثل ذلك في خضوع الناس إلى الحكام الظلمة الذين يسلبون الناس حرياتهم ويحولونهم إلى عبيد وجواري، ليصبحوا هم أسياد وأحرارا بينما يعاني الناس الذل والهوان. لذا نجد الإمام (ع) يحذر من وقوع الإنسان في موقع العبودية لغير الله (لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا).

3- العدالة للجميع دون تمييز: لم يفرق الإمام (ع) بين رعيته على أساس الانتماء والعقيدة، فقد شكلت المواطنة غايته في سياسة الناس، فلم يكن الاختلاف يؤذي الإمام ما دامت المواطنة جامعا كليا للأمة، فكل ما عداها يدخل دائرة الجزئية والفرعية المحددة التي لا يمكن لها أن تكون مقياسا لوجودية الإنسان على الأرض. فالناس في منظوره متساوون على أساس العطاء والتفاعل الإنساني، فمقدار ما يقدمه الإنسان للأمة يكون مقدار لاحترامه، وحفظ وجوده على أساس التعايش السلمي. وهذا المعنى يجسده في عهده لمالك الأشتر عندما ولاه مصر قائلا: (وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم؛ فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق).

4- العدالة ليست شعارا فقط بل هي عمل دائم: لم يكن الإمام علي (ع) مثل الكثير من الحكام والناس تحدثون عن العدالة والمساواة في المجالس والدواوين، وينصحون الآخرين بتطبيقها، ولكن يستثنون أنفسهم وذويهم منها، إنما كان الإمام (ع) يعتبرها جوهرية في حفظ الحقوق، فلم يكن المحسن والمسيء في منزلة واحدة عنده، إنما حرص على التفريق بينهم، وحث ولاته على التمييز بينهم، حيث يثاب المحسن ويعاقب المسيء، لان في ذلك حفاظا للحقوق، ولكيلا يتمادى في تكرارها، فتهدم حقوق الناس، ويتجاوز على كرامتها. لذا تجسد هذا المعنى في وصايا الإمام إلى ولاته: (لا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء، فان في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريبا لأهل الإساءة على الإساءة، وإلزام كل منهم ما الزم نفسه) وأشار إلى ولاته بوجوب الإنصاف وعدم التعدي على حقوق الناس والتجاوز على حرياتهم واستخدام السلطة استخدام غير عادل والانحراف بها عن مبادئ الشريعة الإسلامية فقد جاء في عهده لعماله: (أنصف الله، وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوى من رعيتك، فأنك إلا تفعل تظلم).

5- العدالة تتطلب محاربة الظلم: حرص الإمام على تطبيق مبدأ العدالة بين الناس من خلال محاربة الظلم، وأخذ الحق من الظالمين، وإرجاعه إلى أصحابه، لذا لم يترك مناسبة إلا وأعلن فيها أنه يسعى إلى تطبيق مبدأ إحقاق الحق، وإن أنكره عليه الناس؛ لان الحق طريق موحش وعر، يتطلب من سالكيه الصبر والتحمل، كما يتطلب من الناس إعانة الإمام على تنفيذ العدالة؛ لان تطبيق العدالة هم مشترك، فالظلم الاجتماعي يلحق الجميع، ولا يميز بين إنسان وآخر. لذا قال (ع): (أيها الناس! أعينوني على أنفسكم، وأيم الله لأنصفن المظلوم من ظالمه، ولأقودنّ الظالم بخزامته، حتى أورده منهل الحق، وإن كان كارها).

6- العدالة تبدأ من محاربة الفقر والفساد: أولى الإمام علي (ع) اهتماما منقطع النظير بالفقراء والمحرومين، حيث كان الإمام ينظر إليهم نظرة الحريص على تضييق مساحة الفقر، ورفع مستواهم المعيشي، لأنه يعلم أن الفقر يمكن أن يسبب تدهورا أخلاقيا وانحطاطا نفسيا، لذا عمل منذ الساعات الأولى من تسنمه الخلافة على إيقاف تضخم الثروات بسبب التمييز في توزيع الثروة الذي سبب فوارق طبقية بين أبناء المجتمع، فصارت طبقة تملك المال الذي يكسر بالفؤوس، وطبقة لا تملك ثوبا تلبسه. لذا كان الإمام من الوهلة الأولى يعلن القسمة بالسوية، وان الناس متساوون في الثروة لا يمكن لأحد أن يحصل على أكثر من غيره في العطاء مادام الجميع يخضعون لقانون المواطنة. فقد أعلن الإمام برنامجه الأول لمحاربة الفساد المالي وإعادة الحق إلى أصحابه: (ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله، فهو مردود في بيت المال، فإن الحق القديم لا يبطله شيء، ولو وجدته وقد تزوج به النساء، وفرق في البلدان، لرددته إلى حاله، فإن في العدل سعة، ومن ضاق عنه الحق فالجور عليه أضيق).

7- مراقبة تطبيق العدالة هي الاختيار الحقيقي للأقوال: كان اهتمام الإمام (ع) بالعدالة جعله يراقب تطبيقها وإنصاف المظلومين، وقد وضع آليات كثيرة لمراقبة سير العدالة، وعدم تعرض الناس للظلم، ناظرا بعين الاعتبار إلى إن البعض يخشى أن يصرح بظلمه خوفا من الحكام وجورهم. لذا اتخذ الإمام (ع) ما يعرف ببيت القصص، وهو مكان ترمى فيه قصص أهل الظلامات، إذ يكتب الناس الرقاع بمن ظلمهم من الولاة ويلقوها في هذا البيت، ثم يخرجها الإمام، ويعالج المشكلات. حيث كان حريصا على حفظ كرامة الناس وصيانتها من المسألة. لذا كان يقول: (من كانت له إلى منكم حاجة، فليرفعها في كتاب؛ لأصون وجوهكم عن المسألة).

جميل عودة/مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات

القصة في القرآن بين الخلق والأخلاق

“كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق”

السيدة خديجة بنت خويلد

تمثل عملية تشكيل قصة متساوقة ومعقولة عن الخلق في القرآن صعوبة كبرى وتحديا بالغا إذا آخذنا بعين الاعتبار البنية المعقدة للنص القرآني وتواتر عدة روايات صادرة من مواقع مختلفة حول بدايات الكون.

تتمحور بنية الوحي حول كلمة القرآن التي وردت في سبعين مرة في الكتاب المقدس عند المسلمين وتم اشتقاقه من الفعل إقرأ والمصدر قراءة والتي تعني تلاوة وإجادة القول بعد حفظ وتمعن وتجويد عن تدبر.

ينقسم القرآن إلى مائة وأربعة عشر سورة وهي كلمة من أصل سريالي وتعني النص المكتوب أو الفصل ويمكن أن يختلف طول كل سورة حسب عدد الآيات التي تتكون منه وقد تبلغ سورة عدد من الصفحات وتصل إلى 286 آية وقد توجد صور صغيرة في نصف صفحة بعدد قليل من الآيات خمسة أو ستة فقط. وتعتبر التقسيمات في المصحف إلى سور وآيات وإسناد أسماء للسور وتقسيمها إلى مكية ومدنية من الأمور التالية على نزول الوحي على الرسول الأعظم وتواصل جمعها وتدوينها إلى حد القرن الخامس هجري وقام بها كتبة الوحي والقراء والعلماء والفقهاء والصحابة والتابعين من حفظة الوحي وأهل البيت.

جمالية النص القرآني تستمد من بنيته الشكلية وتركيبة الصور وترتيب الآيات المنجمة وبلاغة اللغة التي كتب بها والتسلسل المنطقي والترابط الدلالي والقوة الاقناعية والبناء الصوتي ومتانة الأسلوب السردي.

بيد أن المضمون الذي تحتوي عليه السور ملغز وعسير ويتطلب التأويل والتثبت والتدبير والتعمق في الفهم وذلك للفائض في المعنى الذي يتوفر عليه وللخصوبة في الدلالة التي يتشكل منه ولتطرق المقطع الصغير الواحد إلى العديد من المواضيع والكثير من الأحداث وتنوعها حسب الزمان وبالنسبة إلى المكان.

يمكن ملاحظة وجود شخصية محورية أو أكثر في كل سورة تدور عليها الأحداث التاريخية والقصص السردي بشكل منتظم وتتكرر نفس الشخصية في سور أخرى بصورة مختلفة وبطريقة مختصرة أحيانا.

لقد ترتب عن الطابع الاعجازي من الناحية اللغوية البيانية قيام قراءة متأنية وصبورة تتابع رحلة تشكل المعنى والسفر الوجودي الذي تنخرط فيها الشخصيات المحورية للخروج من التيه والظن نحو اليقين.

اللافت للنظر أن التفسير من خلال الكلمة والتأويل انطلاقا من الآية والفهم من خلال السورة مسارات في الطريق المفضي إلى المقاصد الكبرى والكليات العامة والغايات المطلقة التي يتضمنها الوحي القرآني ولكن التدبير السديد ينبني على التعامل مع الكتاب المقدس من زاوية جدلية الأجزاء والكليات والسياق.

عندما يهتم الوحي بتاريخ شخصية معينة فإن منظورية الصورة السردية تتيح استخلاص العبر الخلقية.

من الواضح أن قصة الخلق في الوحي القرآني هي مثال ساطع عن هذه الخصائص التي يتميز بها الكتاب المقدس عند المسلمين عن الخطوط الكبرى للتكوين العالمي وبدء الخليقة الآدمية عند الأديان والمعتقدات.

بيد أن الأهم هو الوقوف عند التفاصيل والجزئيات التي ينفرد بها النص القرآني عن غيره وتمنحه الطابع الاعجازي والقيمة المعيارية المطلقة من حيث رمزيته وصلته بالدين القيم وتثمين البعد المنظور للخطاب.

يمكن للمرء تخطي الاعتقاد بوجود فراغات ومقاطع وانفصال في المكتوب بالبحث عن التناغم والترابط والوحدة على مستوى الأسلوب والشكل والمرور إلى تصور قصة الخلق كمصدر الاتساق في الوحي.

لقد بقي الخلق هو المصطلح الرئيسي الذي عبر به الله في المصحف عن لحظة البدء وقصة التكوين بدل الإنشاء والتشكيل والإحداث والصنع والخروج من العدم إلى الوجود وبدل التنظيم من الفوضى إلى النظام.

لقد شمل فعل الخلق منح الحياة لكل الكائنات وإدخال معظم أرجاء الكون في حير الكينونة وميدان التحقق ولقد اختص الله لنفسه فعل الخلق من خلال الأمر القطعي” كن فيكون” وإدخال الموجودات تحت قدرته. بهذا المعنى ارتبط فعل الخلق بالكلام الإلهي وتلازم الإرادة بالتقدير والانبثاق بالانبساط والفتق بالرتق.

من أجل البرهنة على قدرة الله اللاّمتناهية على الفعل والقول قامت ذاته العلية بإيجاد كل شيء وفق إرادته وأمره وتجسد ذلك من خلال قصة الخلق المذكور في القرآن من حيث الزمن والعدد والكيفية والعناصر وتوجد مراوحة بين أن يكون فعل الخلق تجربة وجودية في الزمان وأمر الهي ينتمي الى المطلق الأزلي.

لم يختلف فعل الكينونة “كُنْ” في الإسلام عن أفعال الكينونة في الديانات التوحيدية الأخرى التي تعبر عن وجود الأكوان بواسطة الكلام الأبدي حيث يتم المناداة على الأشياء بالقدوم إلى الحياة بصورة إعجازية.

لم يكن النص القرآني تعبيرا عن فكر ديني بكر يختلف بصورة جذرية عن التأثيرات الخارجية، فهو قد عكس الكثير من العناصر الاعتقادية التي كانت سائدة في الجزيرة العربية وما يجاورها في بلاد الرافدين والشام وفلسطين والحبشة وفارس وبلاد النيل فيما يتعلق بحزب الفضول وآثار الابراهمية واليهودية والمسيحية والصابئة والزرادشتية والمزكية والمانوية وبالتالي لم يكن مخلوقا بالرغم من تطرقه للخلق.

لقد ولد الإسلام وترعرع في وسط ثقافي وديني معقد جدا تلاقحت فيه الحضارات الكبرى وتفاعلت من خلال التجارة والتبادل بين بيزنطة وفارس كان كل واحد منها له ديانته الخاصة ولكنه نطق بلغة العرب.

أن يكون الوحي ملقى على الناس بواسطة النبي بلغته وهي لغتهم فتلك هي الواقعة التاريخية المهمة والتي لعبت دورا كبيرا في دخول العرب للشعوب التي تمتلك كتابا مقدسا وحملهم رسالة نشره للبشرية جمعاء.

هل تكمن ميزة الإسلام في العقائد والأركان التي حملها أم في اللغة العربية التي تم ترتيل الوحي بها؟

لقد حوّل الإسلام عن طريق النبي محمد ومن خلال القرآن والحديث الكلام العربي من لهجة محلية دارجة تستخدم في التجارة وفي التواصل الشفوي أثناء مواسم الصيد وأداء الطقوس والشعائر القبلية إلى لغة رسمية عالمية وجعل من مكة أهم ملتقى للناس في جزيرة العرب وأسس المدينة على أنقاض يثرب القديمة التي تم نعتها بأم القرى وكتب فيها الرسول الصحيفة وهي أهم نص دستوري يحدد العلاقات الشرعية بين مكونات الملة وصارت المركز الروحي الأبرز في الدولة الجديدة التي هيمنة على العالم بالفتح المبين.

لقد تم توحيد الأرض المقسمة بين القبائل والأقاليم باسم الإسلام وتحت راية القرآن بعد أن وقع توحيد الربوبية في السماء والقضاء على الآلهة المتعددة عند الأعراب في الديانات الجاهلية وتحطيم الأصنام.

غير أن تعايش الدين الجديد من المكونات الثقافية السابقة سواء داخل المحيط الجغرافي الذي انتشر فيه بداية من الحجاز واليمن أو في المساحة الممتدة إلى الشرق والشمال مع العناصر الثقافية الوافدة والمغايرة تثبت مرونته وقابليته لإعادة التشكيل في كل أرض يزورها وإمكانية توطينه الفعلي دون تعسف وإكراه.

لقد نظرة إلى العقائد المخالفة من زاوية السياسة والحرب وليس من زاوية العقيدة والإيمان وتعامل معها بذهنية متسامحة ومتفهمة إلى أبعد الحدود وترك لتباعيه حرية الاختيار والاعتقاد وسمح لهم بممارسة طقوسهم في أمان وضمن حماية الدولة الصاعدة ولقد جسد بذلك خيار الهوية المركبة على أرض الواقع.

بهذا المعنى يمثل الإسلام دينا عالميا تعود أسسه المتجذرة إلى ماضي ثقافي وديني بعيد يتجاوز العرب إلى حدود بعيدة تصل إلى إبراهيم ونوح وآدم وتتخطى الأطر الضيقة للقبائل العربية والشعوب المجاورة لها.

لقد تضمن دين الإسلام فلسفة سياسية في درجة أولى وفلسفة أخلاقية في درجة ثانية تجعلا من الإنسان في حاجة ما إلى النفوذ ويحترم السلطان وترتكز فلسفة الإسلام الأولى على نفي الإله المشخص ونفي الخلود.

بيد إن إعطاء الأخلاق مرتبة ثانية بالمقارنة مع السياسة قد جعل الفلاسفة في تناقض ومواجهة مع الفقهاء وعلماء الدين وخاصة الغزالي وفخر الرازي وابن حزم وابن تيمية الذين تم التعامل معهم كمفكرين دينيين يمنحون تعليما أخلاقيا ويحبذون التربية الدينية التي تعكس الإيمان والتقوى والنزعة الطهرية والصفاء. لقد عملوا على تطوير جملة من المبادئ السلوكية والقواعد الأخلاقية المستنبطة من الدين وليس من العقل والتجربة والطبيعة وارتكزوا على المنابع الروحية والمصادر العقدية في إصدار الأحكام والتصورات.

دون التقليل من أهمية الدين وأصوله المتعالية يمكن الأخذ بعين الاعتبار الفوارق الهامة بين الصناعة الفلسفية من حيث هي بحث مرتكز على معطيات العقل البشري فحسب والهدف من علوم الدين الذي يتمثل في الدفاع على الإيمان وصدق الرسالة واثبات النبوة والبرهنة على وجود الله وخلود الروح واليوم الآخر.

لا يخفي علماء الدين إعجابهم بالحكمة المتأتية من القدماء والمنحدرة من الشرق والإغريق والمصريين والرومان ويبدي بعض الفلاسفة احترامهم لعدد من التعاليم الدينية التي لا تتناقض مع العقل والطبيعة وحرصوا على إدخال جملة من القضايا باعتبارها مسلمات ضرورية لتأسيس الأخلاق وتلاحم المجتمع.

لقد أقام جميع الفلاسفة دون استثناء علاقة مع الدين حسب القراءة التي قدموه له وتراوحت بين التوفيق والتفريق بين الحكمة والشريعة وبين التقديم والتأخير وبين المفاضلة والمنازلة وبين الفصل والوصل ولقد بدأ ذلك كل من الكندي والفارابي وابن سينا وأبي بكر الرازي وواصل التمشي ابن طفيل وابن باجة وابن رشد وابن عربي ومسكويه وإخوان الصفاء والطوسي وابن الهيثم وابن خلدون والبيروني والشيرازي.

لقد تم اعتبار الأنبياء والرسل أطباء للروح والحضارة وهداة للإنسانية نحو طريق الرشد والعمل الصالح ولكنهم في ذات الوقت حملوا على الجهل وحاربوا الخرافة والطقوس البالية وحطموا الأوثان والأصنام وبشروا برؤية جديدة للكون وأعادوا تعريف الإنسان وأوجدوا توازنا مرنا بين الفرد والأسرة والمجتمع.

لقد اعتبر المسلمون مدينة السماء هي المثال الذي ينبغي أن يتم تشييد مدينة الأرض على منواله وتعاملوا مع النبي بوصفه طبيب الأرواح والمرشد نحو النجاة بعد تخليصها من الذنوب والآثام وطالبوا بأن يكون الحاكم السياسي طبيب الأجسام وجالب الصحة والاعتدال بعد تركها المعاصي والكف عن إتباع الشهوات.

لم يكن الإسلام دينا قوميا للعرب فحسب بل كان دينا عالميا يخاطب كل إنسان وموجه للبشرية عامة ولكنه ساهم في توحيد العرب وتشكل الأمة الناطقة بلغة الضاد وتحويلها من مجموعة من القبائل والجماعات إلى مجتمعات منفتحة وهوية ذات مخزون رمزي وإرث ثقافي ثقيل ونواة سردية ايتيقية زاخرة بالقيم والدلالة.

لقد اقتضى توحيد كل العرب عن طريق رابطة واحدة هي الإسلام التعبير عنه بلغة حية تتخطى اللهجات المتداولة واللغات الميتة وتكون سلسة ومقبولة من كل الأفهام ومستساغة في الأذهان وتقشعر لها الأبدان.

لقد اندرج قبول الحدث القرآني ضمن إطار جمالية تلقي القول البياني والاحتفال بميلاد لغة الضاد في ثوب الدين الجديد وجاء التصديق الإيماني في سياق الفعل الكلامي واقترن الخطاب القرآني بالتفاعل اللساني.

صحيح أن اللسان العربي ينتمي إلى سلالة لغوية سامية عريقة تضم الكلدانية والآرامية والعبرية والحبشية ولكن النبي محمد حينما قرأ بها الوحي الرباني ومارس بها فعل تسمية الأشياء والأشخاص على نحو جديد أطلقها من عقالها وأرسلها عبر الآفاق لتجوب جميع البلدان وترسل أصوات الآذان وتتكلم بلسان الميزان.

لقد سكنت روح القرآن جسد العربية ونطق العربي بلسان الكوني واجتمع في شعاب مكة وجبالها الإنس على الهدي العظيم وسجد الشعر العربي للإعجاز القرآني وشهدت المدينة المنورة أكبر عملية تبادل لساني تعزف أنشودة الكون الكبرى وتنشد لحن الخلود ضمن سيمفونية تفيض بالقوة وتلوح بالمجد وتنشد الأبدية.

لقد اعتنى الخطاب القرآني بالمسألة القيمية وأعطى قيمة كبرى للعملية التربوية وأكد على أهمية الكدح والمحاولة والتعلق بالأمل والتغلب على اليأس والإحباط بالرغم من الضعف البشري وحالة الهشاشة التي يتكون منها الإنسان والتمزق بين القسم الجسماني والقسم الروحاني والتنافر الداخلي بين التعلق بالسماء والانشداد إلى الأرض الذي يهزه من الداخل ويدفعه دوما إلى الخارج ويجعله في حركتي تجاذب وتدافع.

يقر المنهج القرآني على المسلك الايتيقي الذي يمكن السير عليه للخروج من العصيان وبلوغ التوبة ويبين أن تاريخ البشرية هو تاريخ تدارك الضياع والاسترجاع بعد التلاشي والتذكر بعد الفقدان والاستبصار بعد الغفلة ويمنح النبي دورا مركزيا لقيادة البشرية للتخلص من الظلم إرساء العدل والحق والإحسان والحرية.

ان التطهير من الرجس على الصعيد الجمعي والمعالجة من الآثام على الصعيد الفردي هي عملية نفسية تشتغل عليها التربية والأخلاق من الناحية السلوكية وتنظمها السياسة والاقتصاد من جهة القانون والمال وتطلب التأليف بين احترام الواجبات والالتزام بالتكاليف والجمع بين استكمال الأفعال وتحقيق الأغراض.

جملة القول أن الأخلاق مركزية في الإسلام وأن الخطاب القرآني ما لبث يحث على القيام بالأفعال الحسنة والابتعاد عن الأفعال الضارة والالتزام بالقيم الكونية وتطبيق المبادئ التوجيهية الصالحة للوضعيات الخاصة وعزز الحديث الشريف هذا التوجه التصحيحي للسلوك البشري وتضمن الكثير من المأمورات في هذا الاتجاه التربوي وعمل على تنبيه الغافلين بضرورة الارتقاء بالبشرية عن حالة الطبيعة والتوحش.

يقول الله عزل وجل في سورة الجمعة، الآية الثانية: ” هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم “، وربما ترمز الأمية هنا الى الجهل والبداوة وتدل التلاوة والتزكية على التربية والأخلاق.

إن خصائص الرؤية الأخلاقية في الإسلام تكمن في تجميل الوجود الاجتماعي واستحسان الكائن العلائقي واعتبار الوجود الدنيوي هو غاية الفعل العقلاني والمسلكية الخيرة هي الحياة السعيدة بمقتضى الفضيلة. لكن لماذا مثلت الفضيلة على المستوى الأخلاقي والعدل على المستوى السياسي غاية التشريع الإسلامي؟

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

لكي تبقى أمة العرب حية.. الاجتهاد ليس حكراً على المعممين

مقدمة مكثفة: استغل أعداء الأمة العربية حالة الضعف والوهن الحالي الذي تعيشه، كي يشنوا الهجوم عليها ويسفهوا كل ما هو عربي، وتبع المغفلون من شباب الأمة أولئك الأعداء كي يستهينوا بالعقل العربي والوجود العربي برمته. فكثر طعن وسب وشتم بالعرب وتراث العرب وحضارة العرب.

كثير من أنصاف المثقفين يشنون، في هذه الأيام، هجوماتهم المسعورة على أمة العرب بأنها أمة قتل واحتراب وغنائم، ولا ينتبهوا الى طبيعة العلاقات الدولية التي كانت سائدة آنذاك. في حقبة القرون الوسطى، كان مَنْ لم يغزُ يغزى في عقر داره، ومن لم يوسع رقعة دولته فسيصبح جزءاً من رقعة إقليم امبراطورية مجاورة. فعليه، لا يمكن أن نلجأ لقواعد القرن الحادي والعشرين لنحاكم بها أخلاقيات دول دالت منذ قرون.

نقول: أما في عصرنا الحالي، فواقع الحال يفرض علينا أن نمقت الاحتلال والضم والعدوان بكل أنواعه لأن ذلك لا يتناغم مع أخلاقيات العصر الذي نعيشه. إذاً، فليخرس كل أعداء الأمة العربية الجهلة الذين يرغبون النيل من كرامتها بحجج واهية لجأوا إليها بسبب إصابتهم بالحول السياسي وبالطرش المفاهيمي والعمى الذهني.

نرى بأن العامل الأساسي الذي أدى الى ضعف ووهن العرب ودينهم، هم رجال الدين والمؤسسات الإسلامية التي اهتمت بطلب الشفاء من السرطان ببول البعير (العام الماضي نوقشت رسالة ماجستير بهذا الشأن في جامعة عراقية رسمية) وجرى الاهتمام بجواز نكاح القصَّر وبالتبرك بالقبور ومفاخذة الرضيعة، وارضاع الكبير. الخ من الأمور القشورية الساذجة الظلامية ونحن نعيش عصر النور.

مقتنعون أن أمتنا يقف قوامها على دعامتين أساسيتين هما:

أولاً: اللغة العربية، كعامل توحد جوهري.

ثانياً: الدين الإسلامي، مع مراعاة وجود بقية الإديان التي هي جزء من كينونة الأمة.

فإذا فقدنا إحدى الدعامتين أو كليهما ينفرط عقد الأمة وتصبح في مهب الريح. أو تصبح أمة عرجاء لا تستطيع تحمل طعنة رمح تأتيها من أعدائها المتربصين.

بالنسبة للدعامة الأولى، لحسن الحظ،لازالت صامدة بوجه من حاول تخريبها، منها الدعوة الى استبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية عند الكتابة كما فعل اتاتورك مع اللغة التركية أو الدعوات الى استخدام اللهجات العامية في الكتابة لتحل محل الفصحى “المعقدة”. الخ. لكن جميع تلك المحاولات باءت بالفشل. واللغة العربية رسمياً تعد أحدى اللغات العالمية الخمس المعتمدة في منظمة الأمم المتحدة وفروعها الإقليمية، وذلك تنفيذا لقرار الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة 3190 في 18 ديسمبر 1973.

وملخص القول هو أن حماة اللغة العربية قد سجلوا انتصاراً على أعدائها. والمصيبة الحقيقية التي نواجهها اليوم هي محنة الدين الإسلامي داخلياً ونمو ظاهرة الإسلاموفوبيا خارجياً.

أما بخصوص الدين فقد سجل الواقع على الأرض انتكاسات كبيرة في عالم اليوم، وسبب ذلك هو سلوكيات وفتاوى رجال الدين أنفسهم. لوغضضنا النظر عن الانقسامات الطائفية البغيضة، رغم خطورتها، فلا يمكن تصديق ما طُرحت من سفاهات تم تسويقها على أساس أنها اجتهادات وفتاوى إسلامية، مثل جواز ارضاع الكبير، والتفخيذ، وتعدد الزوجات وذوات اليمين، وجواز نكاح الصغيرات، وجواز ختان الأناث، ووجوب سفر المرأة مع محرم، وطول وقصرعدة الحيض عند المرأة، وقوامة الرجال على النساء، وشروط تحجب الأنثى، . ووو. فقد كتب رجال الدين عن المرأة أكثر من أي موضوع فقهي آخر، حتى اصبحنا نستطيع أن ننعت الدين برمته بأنه (علم النساء).

في محاضرة لنا، العام الماضي، في ندوة أقامتها منظمة موزائيك المغربية، حول واقع المرأة العربية في المجتمع النرويجي، تطرقنا لهذا الموضوع، وحملنا رجال الدين والمؤسسات الإسلامية مسؤولية تشويه صورة الإسلام وضعفه وذلك لعدم اجتهادهم في عصرنة الدين وتقوية الإيمان به بدلاً من التحجر والتقوقع داخل قوقعة رؤى “السلف الصالح” بحجة وجود (مورد النص) في الوقت الذي يتم تجاهل قاعدة مقابلة “الضرورات” تبيح محظورات التجديد الواعي درءاً لخطر الانقراض.

القضية لا تتعلق بالحاجة الى إفتاء لإيجاد حكم فقهي جديد يحلل ما حرم ويحرم ما حلل، بل نحن اليوم بحاجة الى ما هو من باب تغيير الفتوى بتغيير الحال، و يمكن الاستدلال من سيرة الصحابة التي تخدم موضوع البحث في هذا المجال. فقد عطّل الخليفة عمر بن الخطاب حد السرقة عام الرمادة رغم وجود النص الإلهي الصريح الواضح ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ). لأن عمر قد احتج بحجة أن شرط قطع اليد غير متوفر، عملاً بقاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) فالضرورة تبيح أكل لحم الخنزير وأكل الميتة لوجود شبهة وما لحق بالناس من مجاعة في عام الرمادة دفعتهم للسرقة من أجل إنقاذ أطفالهم من الموت جوعاً، ولم تكن السرقة من أجل الطمع في المال. المتعجرفون رأوا بأن الخليفة قد خالف حكماً إلاهياً واضح النص، وفي هذا الصدد نرى أن الخليفة قد عمل بروح النص القرآني وليس في محتوى النص الشكلي. وفي كل الأحوال نرى بإمكان الفقيه أن يفتي وفق المصلحة الراجحة.

نحن نعيش عصر تقدم علمي هائل، لم يستطع العقل المجرد استيعابه، لأن الاختراعات في عالم التقنية الرقميةالمذهلة والسبرنتيكا والهندسة الجينية وتقنية الفضاء وغيرها من الميادين العلمية التي قد اذهلت البشرية، وحصل هذا التقدم بفضل العقل البشري الذي منحه الخالق للمخلوق. لذا ينبغي مخاطبة المسلمين والخارج من لأممالأخرى (عالمية الإسلام) بلغة العصر مع عدم التفريط بجوهر وأساسيات العقيدة الإسلامية، أكرر عدم التفريط، عدم التفريط، عدم التفريط بجوهر العقيدة الدينية.

وقد ضربت مثلاً افتراضياً ضمن المحاضرة وقلت: لو قدر لمسيلمة الكذاب أن يخترع الهاتف النقال ( وهو معجزة علمية حقاً) لكانت الجزيرة العربية برمتها تؤمن به ليس نبياً فحسب بل رباً خالقاً.

وفيما يتعلق بلاستدلال بامكانية الاجتهاد بتكييف حكم النص: لنأخذ بفتوى الإمام أحمد بن حنبل الذي اجتهد خلافاً لنص الحديث النبوي في خروج النساء في العيدين، فيقول: ” لا يعجبني في زماننا ، لأنه فتنة، ولأن الحال تغير بعد النبي -ص”. وهو يفتي بالتشديد بعدم خروج النساء في العيدين وأعتبر الوجه والكفين عورة يجب سترها.

في تحليل النص: في رأينا، أن الإمام بن حنبل من المتشددين في إطلاق الفتاوى فإذا كان قد افتى في التشديد سلباً خلافاً للنص فقد فتح باب الإفتاء في التكييف بالإيجاب تخفيفاً، خلافاً للنص أيضاً. هذا هو الإجتهاد في حكم النص.

النص الثيوقراطي الميثولوجي، عند رجال الدين، هو نص ستاتيكي جامد لا يقبل الإجتهاد إنطلاقاً من قاعدة وجود نص. في الوقت الذي من الممكن تكييف الحكم الديني وفق قاعدة المصلحة العامة. لأن الحياة البشرية في حالة حركية مستمرة تتطلب تعاقب الناسخ والمنسوخ، وبخبارة أخرى فأن ستاتيكية النص تعد حجر عثرة أمام ديناميكية المجتمع.

وفق المنطق، فأن كل حكم قابل للتكيف وفق إطار العقل البشري، حتى النصوص المقدسة والمقولات المعتبرة يمكن تكييفها، على سبيل المثال مقولة (قاعدة الضرورات تبيح المحظورات) هي الأخرى لا تخلو من محظورات فرعية.

مثال عملي: لو أن مجموعة من الأفراد تاهت في الصحراء هل يصح لها ذبح طفل رضيع من أجل سد رمقهم وإنقاذ أنفسهم من الموت جوعا؟ المنطق السليم والحس الإنساني يرفض ذلك قطعاً، فتتراجع القاعدة الشرعية وتصبح من المحرمات في التطبيق.

الى هنا أكتفي بهذه المقدمة المكثفة لأدخل في الغاية من وراء كتابة هذا الموضوع.

الموضوع: يتلخص في دعوتي لقراء مقالي هذا، والمهتمين بمصير ومستقبل الأمة، أن يفتحوا الرابط الوارد في أدناه للاطلاع على طروحات مفكر سوري مسلم يطرح قضايا الإسلام المعاصر بشكل علمي ورصين، ويعطينا دروساً بليغة في تسفيه أصحاب الجماجم المتحجرة التي حولت الدين الى خرقة بالية من الأقوال والأفعال التي ينفر منها الفكر والعقل السليم.

سوف لا أنقل ما يذكره الدكتور السوري محمد شحرور بل أدعو القاريء الحريص على مستقبل أمته فتح الرابط ادناه ومن خلاله ستظهر له كافة الفديوات الأخرى.

وختاماً نقول أن أفكار الدكتور شحرور جديرة بالقراءة والاطلاع لأنها أفكار طاهرة غير ملوثة بفايروس التحجر الديناصوري ولحى الدجالين أصحاب دكاكين الدين. أنه يسفه موقف رجال الدين السائد حول حجاب المرأة، وحول وقوامة الرجال على النساء، والأرث وغيرها من القضايا التي كنا نعتقد بأنها من ثوابت الدين لوجود نصوص صريحة فيها. وهذا الرجل لم يخرج أويتمرد على ما ورد من نصوص في القرآن والسنة بل يقرأ النصوص المقدسة ويفسرها تفسيراً واعياً ليثبت بأن حجاب المرأة المتعارف عليه عبر القرون لا وجود له في الشريعة، ويثبت بالحجة والدليل بعدم صحة قوامة الرجل على المرأة بل يثبت بالدليل والمنطق قوامة الرجل على المرأة وقوامة المرأة على الرجل بشكل متوازن.

بروفسور دكتور جعفر عبد المهدي صاحب

أوسلو – مملكة النرويج

قراءة نفسية للقرن الثالث عشر!!

هذا قرن شديد ومدوي في أعماق القرون والأجيال العربية، وهو مغفول تأريخيا وغير مدروس، وما أستُخلِصت منه الدروس والعِبر، ولا أدركت الأجيال مفرداته وعناصره وما أصاب الأمة فيه، وكيف تمكنت الخروج من قبضة الهلاك والفناء الأكيد، ولا يمكن تفسير ذلك إلا بآليات الإزاحة والنكران والكبت والتبرير والتوهم بغير الذي كان.

قرن نصفه الأول مضطرب، ونصفه الثاني أشد إضطرابا ودمارا وتأثيرا، ففي سنة 1258 إحترقت بغداد عن بكرة أبيها، وقتل عشرات أو مئات الآلاف من الأبرياء فيها دون ذنب إلا لكي يعبّر المتوحشون عن وحشيتهم، فيزعزعون نفوس القِوى الأخرى في الدنيا تمهيدا لإستباحتها.

وسقوط بغداد تم تبريره بأكاذيب وتعليلات ساذجة لتخدير الأجيال وعقرها في أماكنها، فتم تهويل قوة الهولاكيين وإضفاء الأساطير والخرافات عليهم، حتى صار ذكر إسمهم يثير الرعب والموت ويشيع الذعر والفرار المهين.

وما فكر الناس في بغداد بالمجابهة ورفع رايات الجهاد، ولا برز فقيه أو مفكر أو قائد ينادي ” حي على الجهاد”، ويأتي على رأسهم الخليفة العباسي الذي شله الذعر وأجبنه الخوف، وتوطنه الإستسلام، بعد أن تحققت الهزيمة النفسية في داخله وإنعكست على الذين من حوله.

فبرغم قوته الكبيرة وجنده الخبير وقادته المهرة، لكنه أذعن لنفسه المهزومة وإنتهى إلى نهايته المشينة، تحت سنابك خيول المتوحشين المتوهمين بالقوة، وما هم إلا مهرة في بث الإشاعات وزعزعة الإرادات والقدرة على قتل الأبرياء، وما أجادوا الثبات في المواجهات.

لكن الذي يقرأ التأريخ ستتكشف أمامه أكاذيب وتصورات وتعليلات هذيانية مبعثها الخوف ومحاولة الحفظ على ماء الوجه، فيُتهم هذا أو ذاك بأنه قد فتح أبواب بغداد، والقراءة السلوكية تشير إلا أن العديد من أبناء القبائل والمسلمين كانوا مع الغازين، وأنهم هم الذين مهدوا الطريق للفتك ببغداد.

أي أن الخيانة قد بلغت ذروتها في هذا القرن، وتآمرُ العرب على العرب في أوجه، وتحالف المسلمين مع أعداء الإسلام أيضا على أشده.

وهذه العوامل قد تجسدت في بغداد وما بعد بغداد، وبسببها تواجد أفراد في الأمة إستجمعوا طاقاتها الفكرية والإيمانية وأعلنوا الجهاد والمواجهة، وبهذا تحققت هزيمة الهولاكيين (التتر ومن إنضم معهم من العرب وغيرهم) والفتك بهم.

وبسبب جبن فقهاء بغداد، برز فقهاء في سوريا حتمت عليهم الظروف وضرورات الحفاظ على الأمة والدين أن يتخذوا طريقا مناسبا للتحدي، فكانت الأصولية الشديدة والتمسك بالنص الديني وعدم التأويل والتفسير، لأن في ذلك إضعاف للأمة والدين، وقد نجح هذا التوجه في رص صفوف الأمة ومحاربة المتعاونين مع أعدائها، وضمها في وحدة جهادية فاعلة حققت إنتصارات واضحة.

وفي مصر نهض قطز ورفع راية الجهاد وهاجم الأعداء بقوة إيمانية مطلقة، برغم ظروف الدولة الصعبة التي تنخر فيها التناحرات والإنشقاقات، لكنه تمكن من صب قدراتها في سبيل المواجهة والجهاد الأكبر، فانتصر لكنه قتل بعد ستة أشهر من إنتصاره على الهولاكيين، وتم إغفال دوره وتأثيره وطمس ذكره في التأريخ العربي، والتقليل من أهمية وقيمة معركة عين جالوت التي خاضها.

أي أن الأمة أوجدت قادة سياسيين وعسكريين ودينيين أخذوا على عاتقهم التصدي للهولاكيين وإنقاذها من الفناء والإنتهاء، وهذا ما كان على بغداد أن تفعله، لكن قدراتها تهالكت بسبب تهالك خليفتها الذي أسلم أمره للمجهول.

بمعنى أن الأمة في أماكن أخرى منها قد تدارست أسباب سقوط بغداد، وتعلمت أن لا بد من المقاومة والتحدي والتصدي والمواجهة المستميتة للحفاظ على الوجود العربي وصون الدين من الدمار والإندثار، وبهذا تمكنت من إسترداد وجودها والتواصل عبر الأجيال.

تلك أحداث أساسية في القرن الثالث عشر تتلخص بسقوط بغداد في (8\2\1258)، ومعركة عين جالوت في (9\3\1260) ومعركة شقجب أو معركة برج الصُفر في (20\4\1303) التي كان فيها قائد فقيه يحث على الجهاد والمقاومة والتصدي والنصر الأكيد قبل ذلك بعدة سنين، وفي المعركتين تمازج الفقه مع الإيمان والتفاؤل بالنصر والإصرار على هزيمة الأعداء.

ولشدة التوجه الفقهي وقوته وقدرته على المنازلة وإستعادة هوية الأمة وعزتها وكرامتها، تواصل مؤثرا في القرون التي تلته، فأوجد العديد من الفرق والجماعات التي تستقي منه وتترجم منطلقاته الصائبة في وقتها، لكن تطبيقها أو إستحضارها في هذا العصر يسيئ إليها ويتسبب بخسائر حضارية كبيرة.

فالعيب ليس بالمنطلقات الفقهية التي أدت دورها في القرن الثالث عشر، وإنما العيب في العمل بها في غير زمانها، والرجوع إليها كلما إشتدت الهجمة على الأمة، التي تعلمت أن هذه المنطلقات الفقهية طوق نجاتها، بعد أن إحترقت بغداد، وإستجبن فقهاؤها أو لم يشمروا عن سواعدهم ويعلنون الجهاد، والتصدي للعدوان الغاشم الذي أفناهم.

بغداد التي أزيلت منها آثار بني العباس وأحرقت معالم مسيرتهم الحضارية فيها، بسب عدم التصدي والتحدي والإذعان للضعف والخوف والرعب، الذي بثته الإشاعات والدعايات العاصفة في أرجاء البلاد والمحنطة للعباد، حتى ليقال أن الهولاكي كان يقول للرجال قفوا في مكانكم حتى أأتي بسيفي لأقتلكم، ويأتيهم وقد تجمدوا في مكانهم فيحصد رؤوسهم.

هذا التهديد المرعب للذات العربية وللإسلام قد أوقد روح البقاء والغيرة على الأمة والدين، فإنطلقت رؤى أفذاذ الفقهاء والمجتهدين ليتخذوا من الدين قوة باعثة وطاقة محفزة وإرادة متوثبة للقضاء على الغازين، وقد تم لهم ذلك وتحققت البسالة والتضحية والتعبير الأمثل عن الإيمان الصادق بالعروبة والدين.

ومن هنا فأن طاقة التعبير الديني بذلك الأسلوب الخارق والنادر في التأريخ هو الذي أمده بصيرورة بقائية عاتية وتأثيرات قوية في مسيرات الأجيال، وجعل منه مولدا وباعثا للأمة من رماد إحتراقها ودمارها وخرابها العظيم.

ولهذا فأن الأصولية قوة مطلقة لا يمكن الجزم بالقضاء عليها ومحقها، لأنها ستندلع كلما إنتكست الأمة وتحطمت أركان وجودها وتوالت إنكساراتها وهزائمها، ولكي تهدأ الأصولية أو تغيب، على الأمة أن تتجاوز الهزائم وتنتصر على الضعف وتؤمن بقدرات التفاعل المعاصر، الذي يحققه التفكير العلمي والبحث العلمي والثقافة العلمية الرصينة.

فالتوجه نحو العلم هو الطوق الأقوى للنجاة من أهوال الأصوليات والإتجاهات المتطرفة العاصفة في أرجاء الأمة.

وما يعزز ولاداتها المتكررة في حالات ضعف الأمة وإنهيارها، أنها كان لها دور فعال في هزيمة الهولاكيين ورفع المعنويات، وتأهيل الأمة للبقاء والنماء والتحدي والتواصل الأمين.

والتأريخ يؤكد أن الأصولية تولد من رحم الأمة الموجوعة والمفجوعة بذاتها وموضوعها، وكانت بداياتها عندما قاتل المسلمون بعضهم في صفين، ومضت بين صعود وهبوط توافقا مع أحوال الأمة، وكلما سقطت بغداد تعاظمت الأصوليات الدينية، وكلما نهضت بغداد وتقوت إندحرت الأصوليات الدينية، وتلك علاقة كيانية بقائية متلاحمة.

والعجيب أن المقارنة تكاد تكون متماثلة ما بين سقوط بغداد في 1258 وسقوطها في ألفين وثلاثة، وما أنجبته من معطيات ربما تكون متشابهة، ولهذا برزت الحركات الأصولية كرد فعل على هذا الحطام الحضاري والنفسي والفكري، وهي متواصلة ما دامت الأمة في محنة الوجيع الدائب والخسران الناكب.

والخلاصة أن ديناميكيات التفاعلات وعناصرها المتداخلة في النصف الثاني من القرن الثالث عشر، هي التي رسمت معالم وجود الأمة في القرون التي تلته، ولا تزال مؤثرة في الواقع وفاعلة في صناعة التيارات المقررة للمصير.

فتلك الفترة كانت متطرفة جدا وغير مسبوقة، إذ تأرجحت بين هزائم مدوية ومرعبة وإنتصارات كبيرة ومدمرة للأعداء وماحقة لوجودهم العدواني السافر، وما عرفت الوسطية والإعتدال في جميع مناحيها ومواقعها.

وكان للأصولية دورها الواضح في المساهمة ببناء العزائم وشحذ الإرادات وتقوية النفوس وحثها على الصمود والإستبسال.

لكن ذلك زمان، ولكل زمان رجاله ومفكروه وفقهاؤه وقادته، ولا يمكن إستحضار الذي كان في دنيا يكون.

د. صادق السامرائي

كيف نفسر الفكر السياسي الإسلامي ابستمولوجيا (3)

نعود إلي الجزء الثالث من التفسير الابستمولوجي لنشأة وتطور الفكر السياسي عند المسلمين ، فنقول : انطلق الفارابي في فكره السياسي من منطلق آخر مختلف ومخالف تمامًا، عما كانت عليه المرحلة الوصفية، ألا وهو منطلق “علم الكلام” في الإسلام؛ فهو يبدأ بـ “القول في الموجود الأول” (الله)، و”القول في نفي الشريك عنه”، و”القول في نفي الضد عنه”، والقول في “نفي الحد عنه”، و”القول في أن وحدته عين ذاته وأنه تعالى عالم وحكيم وأنه حق وحي وحياة”، و”القول في عظمته وجلاله ومجده تعالى”، حتى إذا استوفى القول في بابي “الذات والصفات” انتقل إلي ثالث أبواب علم الكلام، باب “الأفعال” الذي موضوعه الأساسي هو خلق الله للعالم والعلاقة بين الله والإنسان. وهكذا نقرأ العناوين التالية: “القول في كيفية صدور جميع الموجودات عنه”، “القول في مراتب الموجودات”، “القول في الأسماء التي ينبغي أن يسمى بها الأول”، “القول في الموجودات الثواني وكيفية صدور الكثير”.

ويستمر الفارابي القول في الموجودات السماوية والأرضية، الروحانية والجسمانية، إلي أن نصل إلي الإنسان “والقول في أجزاء النفس الإنسانية وقواها”، والقول في خصائص هذه القوى التي منها القوة الناطقة، والقوة المتخيلة، والقوة النزوعية، لنصل إلي “القول في احتياج الإنسان إلى الاجتماع والتعاون” ومنه إلى “القول في العضو الرئيس” لهذا الاجتماع، و”القول في خصال رئيس المدينة الفاضلة”، ومنه إلى “القول في مضادات المدينة الفاضلة”، التي تصنف هي الأخرى حسب آراء أهلها: إلي مدينة جاهلة، لم تسمع قط بـ”الآراء الفاضلة”( وهي الآراء السابقة في السبب الأول، والعقول الفلكية وصدور الموجودات . إلخ، وهي أصناف، هي في الجملة، تلك الذي ذكرها أفلاطون، وعرفها اليونان)، ويضيف الفارابي من عنده المدينة الفاسقة، وهي التي تعلم الآراء الفاضلة كلها، ولكن أفعال أهلها أفعال غير فاضلة ( والفسق مصطلح إسلامي)، والمدينة الضالة، وهي التي “تعتقد في الله، وفي الثواني، وفي العقل الفعال، آراء فاسدة … ويكون رئيسها الأول، ممن أوهم أنه يوحى إليه من غير أن يكون كذلك” . إلخ.

ويطنب الفارابي في وصف أحوال وآراء أهل هذه المدن المضادة للمدينة الفاضلة، وصفًا عامًا فيه ما أخذه عن أفلاطون، وفيه ما يعود إلي مطالعاته واستنتاجاته. أما الواقع العربي، والتجربة، أو التجارب السياسية في الحضارة العربية الإسلامية، فحضورها باهت جدًا. ويحتاج المرء إلي تأويل وتكلف، إذا هو أراد أن يتبين فيما كتبه الفارابي شيئًا عربيًا إسلاميًا، ما عدا أمرين اثنين” أولهما: انخراط مدينته انخراطًا مباشرًا في “علم الكلام” كما أوضحنا أعلاه (الانطلاق من الكلام في ذات الله وصفاته وأفعاله). ثانيهما إضافته النبي، كرئيس مؤسس للمدينة الفاضلة، وعدم قصر هذه المهمة على الفيلسوف (كما فعل أفلاطون). وقد كتب الفارابي رسالة بعنوان “كتاب الملة” عقد فيها مقارنة بين المدينة التي يؤسسها النبي (مدينة النبوة في الإسلام) والمدينة الفاضلة الفلسفية، فسوى بينهما على أساس نظريته في العلاقة بين الدين والفلسفة، والتي تتلخص في القول: ما تعطيه الملة هو محاكيات لما في الفلسفة: فـ “كما أن الفلسفة منها نظرية ومنها عملية، كذلك الملة، والشرائع الفاضلة كلها تحت الكليات في الفلسفة العملية، والآراء النظرية التي في الملة براهينها في الفلسفة النظرية، وتؤخذ في الملة بلا براهين”.

ومن الملاحظ أن السياسة في رأي الفارابي تعد قسمًا من الفلسفة، أو حلقة في مجموعة مترابطة ومنسجمة، يطرحها الفيلسوف ضمن منظومته الفلسفية، ويدور الحديث في السياسة حول ما يجب أن يكون، وعن سلوك الإنسان في المجموع. أما ( ما يجب ) محاطًا بالحقائق ومسبوقًا بأوامر موجودة فهو السياسة في إطار نظام من القيم الموجودة أيضًا، إلا أنها ضمن نظام الوجود المعقول. ويمكن أن يقال: إن مبادئ السياسة لدى الفارابي هي: نتيجة مترشحة عن مقدماته في معرفة العالم ورؤيته الكونية، لذا فإن أي خلل في تلك المقدمات، سيظهر أيضًا في نظامه السياسي العظيم وقد اعتمد الفارابي خلال طرحه للفكر السياسي على تراث كبيري فلاسفة اليونان وفلاسفة التاريخ البشري- أفلاطون وأرسطو، والتصورات السياسية لفيلسوف المسلمين، كأفكاره عن معرفة العالم التي هي منسوخة من الفلسفات اليونانية. ويعتبر الفارابي، تواضعًا وعرفانًا بالجميل أفلاطون وأرسطو أئمته في الفكر، بل أئمة جميع الحكماء.

وإذا انتقلنا إلي “ابن سينا” فنجد أن الكثير من الباحثين قد تغافلوا دراسة الموضوعات السياسية التي أثارها الرجل، انطلاقاً من قلّتها قياساً إلي الكمّ الـهائل من الموضوعات السينويّة في الأبواب الفلسفية الأخرى؛ ومن الملاحظ أن ابن سينا في كتاب نشر له بعنوان “السياسة” كان متأثرًا بأستاذه الفارابي، حيث يُظهر ابن سينا في هذا الكتاب كما يذكر البعض “عبقرية عالية، في فهم الأسس الجوهرية، التي يقوم عليها الخطاب السياسي، بمعناه الفلسفي العميق، لكن السياسة من وجهة نظره قائمة على الوجود، بمعني أنه يجعل السياسة مساوقة لطبيعة الموجودات، ليس فقط من حيث كينونتها العادية، بل من حيث وجوب وجودها على المستوي الأخلاقي، فيبدأ بسياسة المرء لما حوله ولنفسه، لينتهي إلي رؤية عامة تصدق على الحياة كلها”.

ولذلك نراه في الكتاب لا يعترف بأية رئاسة على الإطلاق إلا برئاسة الفيلسوف، فالفيلسوف هو الملك. والدليل على ذلك أن ابن سينا ينبه في إلهيات الشفاء إلي أن معيار اختيار الخليفة هو عقله فقط . كما يشدد على أهمية تدبير الإنسان لأوضاع منزله. وهو في واقع الأمر إن تدبير المنزل هو علم قائم بنفسه ومن قام بتأسيسه بشكل تام هو أرسطو. كما يشدد ابن سينا بذكاء حاد إلي أن أحق الناس بالمشورة وأحوجهم إليها هم الرؤساء، فهؤلاء لأنهم لا يرون أن أحدا فوقهم، اعتقدوا أن آراءهم هي فوق الجميع، وأن تصرفاتهم تمثل الصواب الكامل، ولا يمكن لأحد أن يقدر على التشكيك في ذكائهم ونبوغهم، بل وعبقريتهم. ومن جراء مدحهم وتقريظهم، بل والركوع لهم وتقديسهم من قبل حاشيتهم، وخدامهم، وعبيدهم، وجندهم، والذين يطلبون المنافع منهم، ازدادوا جهلًا بمعايب أنفسهم. وما زاد في الطين بلة، أن من يواجههم بعيوبهم، قد يكون مصيره السجن، أو التنكيل، أو القتل، أو التعذيب، أو الإهانة، والتحقير، فامتنع من يقدر على نصحهم عن ذلك، فظنوا أنهم فوق البشر لا يمكن لأمثالهم أن يقاربهم الخطأ .

والحقيقة أن هذا الوضع يسري في كل زمان ومكان، وعندما يظهر الرئيس الذي يقبل المشورة، فإن هذا يعني أن الله اكتنف البلاد برحمة واسعة منه. لكن السؤال هو: من يقدم المشورة في هذا الزمان، بل في كل زمان . وهنا نجد أن المستشارين أنفسهم سبب البلاء. وعلى أية حال يحاول ابن سينا أن يمدد أساليب العمل المتاحة للإنسان، فيقسم الناس إلي قسمين قسم موفور الرفاهية من جراء الوراثة أو العمل، وقسم يفتقر إلي المال. وهنا يشير ابن سينا أن “الصناعة هي خير من التجارة، والأفضل أن يختارها المرء، نظرًا لأن احتمالات الخسارة في التجارة أكبر من الصناعة ” .

والأعمال الشريفة في رأي ابن سينا تقسم إلي ثلاثة أنواع هي :

أ- نوع يكون من قبل المعرفة الذاتية والمؤهلات الفردية للإنسان مثل عمل الوزراء وأرباب السياسية .

ب- نوع من خير الأدب مثل الكتابة والبلاغة وعلم النجوم وعلم الطب .

جـ- نوع من قبل الشجاعة ، مثل عمل رجال الحرب .

وبالجملة يسهب ابن سينا في تفصيل كيفية وجوب أن يكون سلوك المرء على المستوي الاقتصادي.

ثم ينتقل ابن سينا بعد ذلك إلي تبيان الأسلوب الذي يجب أن يتخذ في التعامل مع المرأة، من حيث هي زوجة، وقوام هذا الأسلوب هي أمور ثلاثة: الهيبة الشديدة، والكرامة التامة، وشغل خاطرها بالمهم. ويأتي في المرحلة التالية تعامل الرجل مع ابنائه والطرق الناجعة في تربيتهم، ثم يليهم العبيد، وهنا تكتمل الدائرة في السياسة، حيث تشمل مختلف ضروب الناس في السياقات كافة.

وفي منتصف القرن الهجري الرابع ـ العاشر الميلادي ( 373 هـ / 983 م )، ظهرت الكتابات السياسية لجماعة ” إخوان الصفا وخلان الوفا “، متأثرة بالمؤثرات نفسها. وكانت السياسة لديها تمثل علمًا مستقلًا بذاته، له خمسة أقسام: السياسة النبوية، والسياسة الملوكية، والسياسة العامية، والسياسة الخاصية، والسياسة الذاتية .

والفكر السياسي عند إخوان الصفا يدور حول المدينة الفاضلة المدينة الفاضلة غاية الاجتماع السياسي تنحصر أنواع الاجتماعات عند إخوان الصفا في ثلاثة أنواع هى: المدينة ، الأمة ،الدولة العالمية؛ ويرون أن المدينة، تمثل مركز وحدة اجتماعية متكاملة، متأثرين بآراء أفلاطون وأرسطو، إلا إنهم رأوا أن هناك وحدات اجتماعية أكبر من المدينة، تتمثل في الأمة، والدولة العالمية، وهو شيء لم يخطر على بال فلاسفة اليونان، الذين اغترفوا كثيرًا من فلسفاتهم، ونظرياتهم على الأرجح، ولعل ذلك يرجع إلي تأثرهم بتعاليم الدين الإسلامي الذي يهدف إلي إخضاع العالم كله إلي حكومة واحد.

والأمة في رأى الإخوان هى تلك التي تختص، بصفات، وطبائع، وسجايا، وموقع جغرافي، ووحدة تاريخية، وعادات وتقاليد موحدة؛ بحيث تميزها عن الأمم الأخرى. ويتصور الإخوان أن هناك اجتماعًا أكبر من الأمة، يمكن تحقيقه في شكل دولة عالمية يشملها دين موحد وشريعة واحدة. ورأى الإخوان أن أول لبنة في تنظيمهم، هو بناء المدينة الفاضلة إخوان الصفا والمدينة الفاضلة: لقد دعا إخوان الصفا إلي المدينة الفاضلة، وكانوا كثيرًا ما يذكرون أن لهم مدينة فاضلة، يصفونها بالمثالية والروحانية، والحق أنها كانت مجتمع سرى مغلق، ولم يكن هؤلاء أول من تكلموا عن المدينة الفاضلة، وإنما كانت الشغل الشاغل لفلاسفة اليونان، كما علق الفلاسفة عليها آمالًا كبيرة. وقد تأثر إخوان الصفا بأفلاطون في هذه المدينة، لأنهم كانوا يعرفون أفلاطون جيدًا، ويسمى الإخوان مدينتهم بدولة أهل الخير ويقولون”، يبدأ أولها من قوم علماء وحكماء وخيار فضلاء، يجتمعون على رأى واحد، ويتفقون على مذهب واحد، ودين واحد، ويعقدون بينهم عقدًا، وميثاقًا، ألا يتجادلوا، أو لا يتقاعدوا عن نصرة بعضهم بعضًا، ويكونوا كرجل واحد في جميع أمورهم، وكنفس واحدة في جميع تدبيرهم فيما يقصدون عن نصرة الدين وطلب الآخرة، لا يبتغون سوى وجه الله ورضوانه، ولا يريدون جزاءً ولا شكورًا” .

ثم يذكر إخوان الصفا أن للمدينة الفاضلة عدة خصائص منها:

1- يذكرون أن مدينتهم مرتفعة في الهواء، وهذا رمز أنها مليئة بالتعاون في الدين والمعاش، وقد يسمح بعضهم بتلف جسده لنصر الدين، أو الأخ، لأن الجسد فان مظلم لا ينبغي الحرص عليه.

2- وفي المدينة تعاون علمي، وأدبي، ومادي، وعلى كل فرقة أن تهيئ لنفسها مجلسًا خاصا بها يجتمع فيه أعضاؤها وقتًا معينًا، ولا يسمح لغيرهم بالحضور، ويتذاكرون في المجلس علومهم، ويبوحون فيه أسرارهم.

3- وللمدينة قانون العقل الذي جعله الله تعالى رئيسًا على الفضلاء من خلقه، ومن لم يرض به، فعقوبته المقاطعة وطي الأسرار عنه.

4- وللمدينة أربعة أيام لكل يوم شأنه:” فيوم خروج أول القائمين منهم يوم عيد، ويوم فيه تصرم دولة أهل الجور، وثالث فيه مقاومة الباطل الحق، ورابع يوم الحزن والكآبة بالرجوع إلي كهف التقية والاستتار وكون الأمر على ما قال صاحب الشريعة “أن الإسلام ظهر غريبا وسيعود غريبًا” ومن هنا يتضح الهدف السياسي تمامًا، ألا وهو الثورة على نظام الحكم، وأنهم مازالوا في طور الستر، وأنهم ينتظرون قيام الثورة، ويوم قيامها عيد عندهم، ولكنهم يعلمون أن الهزيمة ستلحق بهم، وسيعودون إلى الستر مرة أخرى”.

ثم يذكر إخوان الصفا مراتب أهل المدينة الفاضلة، وذلك على النحو التالي : المرتبة الاولى: مرتبة الأبرار، ويتراوح أعمارهم ما بين خمسة عشرة سنة، إلي ثلاثين سنة، وهم أرباب صنائع ونفوسهم جيدة التصور سريعة القبول، وكثيرًا ما توجه الخطاب في رسائل إخوان الصفا إليهم.

2- المرتبة الثانية :مرتبة الأخيار، وهم الرؤساء ذوو السياسة الذين يشفقون على إخوانهم وأعمارهم ما بين الثلاثين والأربعين.

3- المرتبة الثالثة: مرتبة الفضلاء الكرام ، وهم الملوك ذوو الأمر والنهي، وأعمارهم بين الأربعين والخمسين.

4- المرتبة الرابعة: مرتبة الذين بلغوا سن الخمسين، وهي التي يدعون إليها إخوانهم في أي مرتبة، وهم هنا يرمزون إلى ما يتمنونه من صعود سياسي لا روحاني، والتقسيم في جمهورية أفلاطون بحسب المهنة لا السن، كما هو لدى إخوان الصفا .

وعن الفرق بين المدينة الفاضلة ،والمدن الأخرى عند إخوان الصفا؛ فلقد وصف إخوان الصفا المدن الأخرى بالجائرة، وأوضحوا الفرق بين المدينتين (أى المدينة الفاضلة، والمدينة الجائرة) فيما يلي:

أ- المدينة الفاضلة لا يدخلها إلا من توافر فيه حد أدنى من العلم، أما المدن غير الفاضلة فلا يشترط أن يكون سكانها علماء فضلاء، بل تجمع الأخيار، والأشرار، والعلماء، والجهلاء، والمصلحين، والمفسدين، وأقوامًا مختلفي الطباع، والأخلاق، والآراء، والأعمال، والعادات.

ب- المدينة الفاضلة تشبه جزيرة مخصبة كثيرة النعم يسود بين أهلها المحبة والرحمة والشفقة. أما المدينة الجائرة فتشبه جزيرة وعرة جبلية مليئة بالسباع الضارية.

بعد أن انتهينا من المدينة الفاضلة نأتي إلي رأس الحكم، وهو الإمام ورأي الإخوان فيه؛ فقد اهتم إخوان الصفا بموضوع الإمامة أو الخلافة ،وأكدوا ضرورة الوصية فيها فالتصرف دون توقيف من الرسول كان سبباً في انقسام الأمة الإسلامية واختلاف الآراء فيها فليس هناك خلاف، إذن بين أخوان الصفا وبين الشيعة في ذلك، وهذا تلويح منهم بالموافقة على رأي الإمامية الذين رأوا وجوبها بالنص على الإمام على رضي الله عنه .

وأما عن فائدة الإمام عند إخوان الصفا؛ فهم يرون أن فائدة الإمام حفظ الشريعة، وإحياء السنة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، اجتماع الأمة على رأي واحد ونصب نواب عنه في الأقاليم، ورجوع فقهاء المسلمين إليه في المشكلات من فقه، وأحكام، وحدود، وفتاوى، وبذلك يكون تنصب الإمام عندهم واجباً . وللحديث بقية!!

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

دوافع نقد الدين عند نيتشه وماركس

في مقال للأستاذ حاتم حميد محسن في موقع “صحيفة المثقف”، كتب مقالا هاما بعنوان: “ماركس ونيتشة.. رؤيتان مختلفتان للدين”* المقال يثير الكثير من التساؤلات الهامة، تعقيبا على مقاله اطرح وجهة نظري بموضوع الموقف من الدين، ومن علاقة نيتشه بالنازية وليس بمختلف القضايا التي نشأت بناء على موقف الفيلسوفين، نيتشه وماركس.

نيتشه ينتقد النازية: ” أرتجف عندما أفكّر في كل هؤلاء الأشخاص غير الجاهزين بعدُ لتلقّي أفكاري، ومع ذلك سوف يستغلّونها لسلطتهم”

نيتشه: “أشعر بخوف في الأيام الأخيرة، من كثرة الرسائل والمواقف التي تصلني حول معاداة السامية، وأشعر باشمئزاز وبكلّ ما تعنيه كلمة اشمئزاز من معنى من ذلك الحزب”

تركت فلسفة نيتشة أثرًا بالغًا في الفكر الإنساني، والكثيرون تأثروا بأفكاره، الأمر الذي لا يعرفه الكثيرون انه لقب بصغره ب “القسيس الصغير”، فوالده كان قسيسا في الكنيسة الانجيلية (اللوثرية)، لكنه عندما بدأ يتشكل وعيه الخاص انقلب تماما على الفكر الديني لدرجة قوله ان “الله قد مات” (الجنائني مات). هناك اخطاء شائعة حول علاقته بالنازية، العكس هو الصحيح، ما جر لهذا الخطأ فكرته عن الرجل السوبرمان (وهو لم يقصد هتلر اطلاقا)، بل رفض النازية وعنفها ضد اليهود أيضا وكانت له علاقات مع يهود المان، إشادته بالإنسان السوبرمان، يقصد الانسان غير التابع لفكر قديم ماضوي، بل الانسان المتحرر من كل الفكر الديني والملتزم بالعلم وليس بخرافات الدين. انتقد المسيحية من منطلق نقده للدين، ودور الدين السلبي اجتماعيا. وله قول مشهور: “الخطيئة بحق الله كانت من أكبر الخطايا، لكن الله قد مات، بذلك ماتت الخطايا أيضا، الشيء المخيف أكثر الآن ان تخطئ بحق الأرض”. هذا موقف عقلاني وانساني. عدم ارتكاب الخطيئة بحق الأرض.

قام نيتشه بنقد جذري للفكر الفلسفي الغربي. من مؤلّفاته ” ولادة المأساة “، ” هكذا تحدّث زرادشت “، ” ما وراء الخير والشرّ”،” ضدّ المسيح ” و” إرادة القوّة “.

يؤكّد نيتشه في فلسفته تقلّص التأثير للقيم التقليديّة، لأن “اللّه قد مات” (الجنائني مات) ويجب التّأسيس لقيم جديدة تعبّر عن القوّة والشّجاعة والنبل وتعبّر عن إرادة الإنسان الأعلى أو بالأحرى عن إرادة القوّة. وهو كما افهم يقصد القوة العقلية، وليس قوة القمع والاستبداد!!

جرى الربط بين فلسفة نيتشه والأيديولوجيا النازية، وان النازية اقتبست فلسفتها من النيتشية، عن الإنسان الأعلى والقوة والشجاعة والنبل، وهذه الفلسفة أنجبت شخصيّة هتلر. الباحثين بفلسفته يرفضون الربط بينه وبين الفكر النازي، ويعتمدون على قوله ” أرتجف عندما أفكّر في كل هؤلاء الأشخاص غير الجاهزين بعدُ لتلقّي أفكاري، ومع ذلك سوف يستغلّونها لسلطتهم” ويؤكدون ان نيتشه كان يكتب لإنسان المستقبل.

في احدى رسائله نجده يرفض المواقف اللاسامية المعادية لليهود والتي كانت ضمن الفكر النازي، فقد كتب في احدى رسائله: “أشعر بخوف في الأيام الأخيرة، من كثرة الرسائل والمواقف التي تصلني حول معاداة السامية، وأشعر باشمئزاز وبكلّ ما تعنيه كلمة اشمئزاز من معنى من ذلك الحزب (القصد على الأغلب من الحزب النازي).

نقد ماركس للفكر الديني وجملته الشهيرة “الدين افيون الشعوب” لم تفهم بشكلها الصحيح. بالفعل ماركس كان ملحدا (لا دينيا) لكن جملته لم تقال للتحريض على الدين والمتدينين انما كانت موجهة لموقف فلاسفة ومفكري التنوير البرجوازيين من الدين. اذ ان عدم رؤيتهم الدور الرجعي للكنيسة والجهاز الديني في العلاقة مع مسيرة التطور الاجتماعي والفكري والعلمي (معاداة الكنيسة للمفكرين والمخترعين بدءا من الكاهن وعالم الفلك الأهم في التاريخ “كوبرنيكوس” وصولا الى “غاليليو” ورفضهم وتكفيرهم للكثير من علوم تطور الانسان، خاصة أبحاث دارون، دفعته لهذا القول.

من الجدير ذكره ان القرن الثامن عشر، شهد حربًا لا هوادة فيها ضد الدين شنه فلاسفة التنوير، خاصة في فرنسا، إذ رأوا فيه عقبة امام التقدم الإنساني نحو الحرية والعقلانية.

من الجدير بالتنويه ان موقف الماركسية من الدين لم يكن عدائيا اسوة بموقف الفلاسفة التنويريين، بل كان أكثر تفهما وتسامحا. كان يعتبر ان معركته الأساسية في موضوع الدين هو ضد الظلامية الدينية، وقوله التالي هو إشارة لذلك: “الدين هو متنفس المخلوقات المضطهدة، قلب العالم الذي بلا قلب وروح الظروف التي بلا روح. انه مورفين الجماهير” وهو لم يكن معاديا لهذه الفئات الاجتماعية، بل يدفعها نحو التوعية بدل التضليل الديني!!

موضوع صراع الطبقات هو موضوع يقع في ملعب آخر لا يتعلق مباشرة بالدين رغم ان التأثير الديني واقع قائم وسلبي في التطور الذي حلم به ماركس بفكرة الصراع الطبقي/ المادية التاريخية.

ان فكرة الصراع الطبقي كانت صحيحة نسبيا في الظروف التاريخية التي عالجها ماركس خاصة بعد كومونة باريس. لكن هذا الأمر سرعان ما تلاشى، والرؤية الماركسية التي طرحت عن الأممية العمالية (يا عمال العالم اتحدوا) لم تثمر، وظلت القومية سائدة.

فكرة المادية التاريخية (الصراع الطبقي) كطريق لقضاء طبقة العمال على الطبقة البرجوازية، وبناء نظام اشتراكي/ شيوعي، لم تثبت صحتها، وكان لا بد للفلاسفة الماركسيين من تطوير فكرة الصراع الطبقي بل اسقاطها نهائيا. لكن يبدو ان الماركسية تحولت الى ما يشبه الدين لكوادر الشيوعيين، خاصة بتشوية الماركسية بفترة ستالين، لدرجة قبرها وتطوير نهج سوفييتي مناقض لكل الفكر الماركسي، حتى ان الدولة في الاتحاد السوفييتي لم يتغير مبناها الفكري من دولة رأسمالية الى دولة اشتراكية، هذا الموضوع لم يعالجه ماركس ولم يعالجه لينين أيضا، وظلت الدولة الرأسمالية بمؤسساتها، هي التي تطبق النظام الاشتراكي وهنا أحد أسباب، ربما اهم سبب، وراء سقوط هذا النظام!!

الصوم.. من منظور سيكولوجي

تتعدد وجهات النظر في الصوم، ولا يعنينا هنا أمره من منظور الأديان الثلاثة: اليهودية، والمسيحية، والأسلام، التي تختلف اختلافا كبيرا في طريقة الصوم ومدته التي حددها الاسلام بشهر رمضان بكف النفس عن اللذات الثلاث (الطعام، والشراب، والجماع) في اوقات الامساك والترخيص بها في الافطار.واختلافها ايضا في فلسفة الصيام التي حددها الأمام الغزالي بقوله: (اعلم ان الصوم ثلاث درجات: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص. اما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة، واما صوم الخصوص فو كف السمع والبصر واللسان والرجل وسائر الجوارح عن الآثام، واما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهمم الدنيئة والأفكار الدنيوية..” الغزالي:اسرار الصوم، ص:40″).

ما يعنينا هنا هو التحليل السيكولوجي للصوم، نوجزه في القول بوجود موقفين متضادين من الصوم: ألأول يتبناه كتّاب وأطباء نفسانيون عرب، يرون ان الصوم يؤدي الى انخفاض مستوى الجلوكوز في المخ، فينجم عنه اضطراب في عمل الدماغ، واختلال في افرازات الهرمونات وتوقيتات الساعة البيولوجية..لأن جسم الانسان اعتاد على ان ينشط في النهار ويستهلك طاقة، وان النوم في الليل يعمل على ترميم ما اهترأ في الجسم..ما يعني أن الصوم، وفقا لهذا الرأي، مضر بجسم الانسان لأنه يضطره الى ان يسهر في الليل وينام كثيرا في النهار، وانه يسبب السمنة، وله انعكاسات نفسية سلبية يكفيك منها التوتر العصبي، وتعكر المزاج، والنرفزة، والصداع، والدوخة، الناجمة عن انخفاض نسبة السكر في الدم، والخلل في ايقاع الساعة البيولوجية..فضلا عن ان الصوم يؤدي الى ضعف الأداء الوظيفي، وانخفاض الأنتاجية على مستوى الفرد والمؤسسات الحكومية والأهلية..وقضايا اجتماعية اوجعها حسرات اطفال الفقراء واليتامى في العيد.

الموقف الثاني نبدأه بما قاله الحائز على جائزة نوبل في الطب الدكتور ألكسيس كاريك بكتابه (الإنسان ذلك المجهول) ما نصه: (إن كثرة وجبات الطعام وانتظامها ووفرتها تعطّل وظيفة أدت دورا عظيما في بقاء الأجناس البشرية، وهي وظيفة التكيف على قلّة الطعام)..بمعنى ان الصوم يدرّب جسم الانسان على التكيّف في الأزمات الأقتصادية.ووفقا لما يراه هذا الطبيب فان خلف الشعور بالجوع تحدث ظاهرة اهم هي ان سكر الكبد سيتحرك، وتتحرك معه أيضا الدهون المخزونة تحت الجلد، وبروتينات العضل والغدد، وخلايا الكبد..ليتحقق في النهاية الوصول الى كمال الوسيط الوظيفي للاعضاء..ويخلص الى القول بأن الصوم ينظّف ويبدّل أنسجتنا ويضمن سلامة القلب.

وحديثا، يرى علماء نفس وأطباء نفسانيون في اميركا وانجلترا واوربا، ان بقاء الانسان على نفس الروتين والايقاع في عمل الجسم، يؤدي الى الكسل والخدر والموت قبل الآوان، فيما التغيير يؤدي الى تنشيط البدن ويمنحه حيوية تطيل العمر. وتوصل آخرون الى نتائج سيكولوجية مدهشة بأن الصوم ينمّي قدرة الانسان على التحكّم في الذات، ويدرّبه على ترك عادات سيئة، ويمنحه الفرصة على اكتساب ضوابط جديدة في السلوك تنعكس ايجابيا على شخصيته هو والمجتمع ايضا. مثال ذلك، ان الصائم الذي اعتاد على تدخين علبة كاملة في اليوم فأن تدربه على الامتناع عنها في النهار قد يدفع به الى تركه. وقل الشيء ذاته عن آخر اعتاد على ان يغتاب او يكذب ودرّبه صيامه على الامتناع عنهما شهرا لا يوما او اسبوعا، معللين ذلك بقانون نفسي، هو: ان كثرة التدريب على سلوك جديد يؤدي الى ثباته..وأن الصوم، بهذا المفهوم، وسيلة علاجية لمن يعانون القلق النفسي والاكتئاب..والأغتراب الأجتماعي، والسياسي ايضا. غير ان ذلك قد ينطبق على المصريين ولا ينطبق على العراقيين! .

في السياق ذاته تخلص دراسة الدكتور (باري شوارتز) الى نتيجة أخرى مدهشة، هي أن نفسية الاكتئاب والإحباط ترتبط بالإفراط في الانسياق مع تيار الاستهلاك الذي اصبح ظاهرة بالعصر الحديث وصفها ايريك فروم و هربرت ماركيوز بأنها سلبية خطيرة تنخر في نفسية الانسان، وأن كبح الشهوات الغريزية والسيطرة على الرغبات عن طريق الصوم يؤدي الى خفضها. ولك ان تطلع على ما يدهشك في كتب: “الصوم” لهربرت شيلتون، و”الجوع من أجل الصحة” لنيكولايف بيلوي ” و”الصوم” لجيسبير بولينغ، “..مستندين الى ما أكدته أبحاث أنثربولوجيا الأديان بأن فعل الصوم يكاد يكون سلوكا مشتركا بين جميع الملل الدينية.

والمدهش اكثر أن مجلة (سيكولوجست) تؤكد ظهور عشرات المراكز الطبية في دول العالم، (الجمعية العالمية للصحة، وجمعية الطبيعة والصحة بكندا، والجمعية الأميركية للصحة الطبيعية، واخرى في اليابان والهند والصين..) اعتمدت الصوم وسيلة علاجية..تسهم في ضبط الشهوات والتحكحم بالانفعالات (الغضب مثلا).. وضبط اللسان حين يهم بقضم سمعة فلانه او فلان.

ان الغالبية المطلقة من العراقيين، والعرب ايضا، يفهمون الصوم على انه فرض ديني واجب ولا يمتلكون فهما بهذه القضايا السيكولوجية التي نأمل من وسائل الأعلام والبرامج الدينية في الفضائيات ان تلتقط افكارها وتوصلها للصائمين بلغة سهلة ليتحقق صوم رمضان بدرجاته الثلاث:صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص.

أ.د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

أمين عام تجمع عقول

واحد رمضان – 6/5/2020

كيف نقرأ علم الآثار “الإسرائيلي”: كتاب فنكلشتاين مثالا!

ارتكزت كتابات الباحثين العرب القائلين بالجغرافية التوراتية العسيرية أو اليمنية، والتي تجعل إقليم عسير أو اليمن وليس فلسطين مسرحا وحاضنة لقصة اليهود وبني إسرائيل وتوراتهم، ارتكزت ومنذ بداياتها مع د. كمال صليبي على أساس واحد هو المقابلة اللغوية التأثيلية “الإتيمولوجية” والصوتية ” الفونولوجية”. تقوم هذه المنهجية على تطويع أو قلب أو حذف أو تقديم أو تأخير بعض حروف المفردات في النصوص الدينية كالتوراة أو غير الدينية كالنُّصُب والألواح والبرديات القديمة للوصول الى جذر مشترك لها يجمعها بقريناتها المعاصرة في جغرافيا معنية.

بدأت هذه المنهجية مع الراحل الصليبي وبلغت ذروتها مع كتابات فرج الله ديب وفاضل الربيعي حيث أصبحت هذه المنهجية الإتيمولوجية أقرب اللعبة اللغوية التي يمكن لأي شخص لا علاقة له بعلوم التاريخ واللغة والجغرافي من أن يمارسها ليثبت مثلا أن يسوع المسيح ولد في مدينة الناصرية جنوب العراق، وليس في بيت لحم الفلسطينية. وبمقابلة اسم “الناصرية” مع لقب “الناصري”، والذي هو أحد ألقاب يسوع المسيح، مقابلة خارجة عن سياقها التاريخي وعن عمر المدينة الحقيقي، يغدو ممكنا تصديق هذه الطرفة، غير أن المعروف هو أن عمر مدينة الناصرية العراقية لا يزيد على قرنين ونصف فقد تأسست في عهد الشيخ ناصر الأشقر باشا السعدون شيخ المنتفك “اتحاد قبلي عربي عراقي” المولود سنة 1772م خلال العهد العثماني وسميت تيمناً باسمه، وقيل لأنه بناها على نفقته الخاصة. فأي علاقة يمكن أن تجمعها بيسوع المسيح قبل أكثر من ألفي سنة؟! أمثلة كهذا المثال مبثوثة بالعشرات إنْ لم تكن بالمئات في مؤلفات الباحثين القائلين بيمنية أو عسيرية الجغرافية التوراتية وتاريخية فلسطين الكنعانية ككل. لعل من أبرز الأمثلة عليه المقابلة اللغوية التي أجراها الصليبي بين ما سماها”قرية آل شريم” في عسير والتي اعتبرها هي أورشاليم القدس. ولكن باحثا سعوديا هو حمد الجاسر مؤلف (المعجم الجغرافي التاريخي للبلاد العربية السعودية) أثبت أن آل شريم (ليس اسم قرية بل هو اسم فخذ صغير من أفخاذ قبيلة “الحَجْر”، وآخر من قبيلة بالقرن، وهما حادثان – جديدان – لم يكونا معروفين في شيء من كتب الأنساب التي أُلِّفَتْ قديماً)[1]

ولعل من أنضج ما قيل من نقد لهذه المنهجية التي تعتمد التحليل والمقابلة اللغوية هو ما كتبه صقر أبو فخر في معرض قراءته النقدية لكتاب فرج الله ديب “اليمن وأنبياء التوراة”، وقد كنت قد اقتبسته في دراسة أخرى، حيث كتب أن الباحث فرج الله ديب (يكتفي باستخدام طريقة المقابلة اللغوية وتطويع أحرف التصويت في الأسماء للوصول إلى جذر أو صيغة لفظية يمكن إقرانها بأحد المواقع الجغرافية في اليمن. إن هذه النظرية الخطرة فعلاً، يلزمها عدة بحثية متكاملة كي تصل عملية الاستدلال والإثبات إلى غايتها العلمية القصوى. إنَّ الاعتماد على اللغة فقط، ثم إسنادها بالجغرافيا، يمدنا بآراء مختلفة في هذا المجال، ومتضاربة في أكثر الأحيان، وفيه تعسف كبير، ولا يمكن الركون إلى هذه النتائج إلا إذا أنجدتها الأحافير واللقى والنقوش الأثرية. وحده علم الآثار”الأركيولوجيا” يمكنه أن يحسم، إلى حد كبير، الجدل والتناقض والاضطراب والبلبلة. . وهكذا، فلكي تكون النتائج التي توصل الكاتب إليها يقينية وعلمية وتاريخية في آن، يجب أنْ تؤكدها الحفائر، فتبرهن على أنَّ هذه القرى ذات الأصل التوراتي، من ناحية التسمية، كانت آهلة حقاً في التاريخ المفترض لظهور قبائل التوراة؛ والحال، أنَّ الكتاب لا يفصح عن ذلك بتاتاً، بل إنه لا يستخدم علم الآثار ومكتشفاته في اليمن في جملة وسائله المنهجية)[2].

لقد اهتم بعض الباحثين العرب القائلين بالجغرافية التوراتية العسيرية أو اليمنية بكتاب الباحثين إسرائيل فنكلشتاين وزميله الأقل شهرة منه نيل سيلبرمان “التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها” اهتماما كبيرا، وكتبوا عنه واقتبسوا منه في مؤلفاتهم، محاولين توظيف بعض ما ورد في هذا الكتاب للبرهنة على صحة فرضياتهم العسيرية واليمنية التي تقف على قدم لغوية إتيمولوجية واحدة. ولكنهم للأسف لم يكونوا دقيقين في قراءة هذا الكتاب البسيط والواضح، ما جعلهم يتعسفون عليه ويخرجونه من سياقه بل ويمسخونه مسخا شديدا. فالباحث فرج الله ديب، في كتابه “اليمن وأنبياء بني إسرائيل -هل جاء المسيح إلى صنعاء؟” يسجل أنه اعتمد على ما قدمه علم الآثار في دولة الكيان الصهيوني “إسرائيل” وخصوصا في “تسفيه لنظرية أرض الميعاد في فلسطين”.

والواقع فإنَّ هذه العبارة شديدة الغموض، ويمكن تأويلها تأويلات عدة، ولكنَّ المتابع لما طرحة علم الآثار “الإسرائيلي” في فلسطين المحتلة لم يسفِّه، ولم يكن هدفه قط تسفيه جغرافية التوراة في فلسطين، ولم يقل أحد من العلماء “الإسرائيليين” بذلك، وإنما هم سفَّهوا شيئاً آخر، هو تأريخية التوراة. ومن خلال انعدام الأدلة الآثارية الأركيولوجية الواضحة والقاطعة، أكدوا أنَّ التوراة كتاب خرافي وأيديولوجي في معظمه، وليس كتاباً أو سجلاً تاريخياً مضبوطاً بكامله. كما شككوا بمكانة أورشليم -القدس، وعلاقتها بالسردية اليهودية العبرانية، وبأحداث توراتية كبرى، وشخصيات توراتية ضخمة، بينهم أغلب أنبياء وملوك بني إسرائيل المشهورين. ولكنهم من جهة أخرى، وخصوصاً في كتاب إسرائيل فنكلشتاين وزميله سلبرمان، قدموا مكتبة ضخمة وهائلة من الأدلة الآثارية الموثقة والمقروءة جيداً، والمعروضة بشكل بحثي دقيق، لتكون دليلاً أركيولوجيا يؤكد فلسطينية الجغرافية التوراتية، دون أن يجرؤوا على الاعتراف بأنها الجغرافية التاريخية لفلسطين الكنعانية واليبوسية الشاملة والتي لا تشكل السردية اليهودية العبرية إلا هامشا صغيرا فيها، وهذا ما فشل دعاة “الجغرافية التوراتية اليمنية والعسيرية” العرب في إنجاز واحد بالمائة منه.

لقد توصل فنكلشتاين وزملاؤه إلى القول إنَّ شخصيات مهمة من أنبياء وملوك وقضاة كإبراهيم وموسى وسليمان . الخ، الذين ورد ذكرهم في التوراة، لم يتأكد قط وجودهم الحقيقي في الماضي، ولم يعثر على أدلة مادية واضحة على وجودهم. أدلة من النوع الذي جعلتنا – مثلا – نتأكد من أنَّ سرجون الأكدي ملك له وجود حقيقي، بدليل المسلة الحجرية التي تسجل وتخلد أعماله على سبيل المثال! إنَّ ما قدمه علم الآثار، وخصوصاً من علماء “إسرائيليين” ذكرهم ديب، لم يسفِّه مباشرة موضوعة “أرض الميعاد”، كموضوعة دينية وردت في التوراة وجل ما قاله أن هذا الوعد التوراتي لا دليل أثاريا عليه حتى الآن، فهو إذن وعد ديني وليس تاريخيا، ولم ينفِ فنكلشتاين أو يسفِّه فلسطينية الجغرافية التوراتية، ولا يوجد نص يدل على هذا التسفيه، بل لقد شكك الباحث الإسرائيلي بكون أورشليم – القدس الحالية ليست هي أورشليم التي تحدثت عنها التوراة، بالطريقة التي تكلمت بها عنها، لعدم العثور على أدلة آثارية حاسمة في هذا الصدد. وما قفز عليه ديب، هو أنَّ هناك أدلة ولكن تم التشكيك بها وبطريقة قراءتها وتصويتها، حتى من قبل كمال الصليبي.

أما أورشليم اليبوسية الكنعانية فهناك الكثير من الأدلة الأركيولوجية عليها، بل أن هناك مخططا آثاريا كاملا لها. وبهذا الصدد يمكن تسجيل التالي: عندما بدأت التنقيبات الأثرية في العصر الحديث، اتجهت الى مدينة القدس بموقعها الحالي، فلم يجدوا فيها شيئا ذا علاقة باليهود أو العبرانيين أو بني إسرائيل، ثم اكتشفوا أن أورشليم اليبوسية ( نسبة إلى اليبوسيين وهم فرع من الكنعانيين الجزيريين) تقع بكاملها الى جنوب المدينة الحالية على سلسلة تلال القدس الشرقية. وقد تطابقت جغرافية وطوبوغرافية المدينة المكتشفة مع أوصافها كما وردت لاحقا في التوراة التي كتبت بعد سيطرة العبرانيين على المدينة بطريقة التسلل السلمي على الأرجح، وكما تؤكد بعض أسفار التوراة نفسها. وأثبتت التنقيبات أن المدينة ترجع إلى العصر البرونزي المبكر منذ مطلع الألف الثالث ق.م، أي في فترة نشوء دويلات المدن في فلسطين. وقد استطاعت بعثة المنقِّبة الشهيرة وذات الصدقية العلمية القوية كاثلين كينيون رسم حدود ومخطط مدينة أورشليم اليبوسية بشكل واضح ودقيق. غير أن الباحثة الهولندية مارغريت شتاينر في كتابها ” القدس في العصر الحديدي” قللت من أهمية بعض الخلاصات والمكتشفات التي حققتها كينون، وتوصلت الى أن أورشليم التي نقبت فيها كينون كانت مجرد مدينة صغيرة على أحد تلال القدس ولم تكن لها أهمية تذكر في العصر البرونزي المبكر أو الوسيط وكان عدد سكانها آنذاك يتراوح بين ألف وألفي ساكن.

هناك فرق كبير إذن، بين نقض حقيقي يطاول تاريخية التوراة والأنبياء الوارد ذكرهم فيها، وبكون أورشليم-القدس الحالية هي نفسها أورشليم التوراتية القديمة، وبين نقض يعتقد ديب، أنه يطاول الجغرافية التاريخية للتوراة ككل. أما قوله بأنه يفعل ذلك بهدف (نقض الأيديولوجية الصهيونية حول أرض الميعاد)، فهو قول ملتبس تماماً، لأنَّ هذا النوع من النقض ينطوي ضمناً على الاعتراف بجوهر الوعد التوراتي، حول أرض الميعاد. إنَّ نقض الأيديولوجية التوراتية ولاحقا الصهيونية لا يتم بطريقة رمي الرضيع مع ماء الغسيل القذر والطست الذي يحتويهما، بل إنَّ افتراضاتهم البحثية تنسف حتى الوجود الكنعاني والفلسطيني القديم في فلسطين، وتجعل قرية الفلسة العسيرية هي أصلهم وموطنهم، كما يقول الصليبي، أو أن اسم فلسطين يعود إلى إله الفلس الوثني اليمني كما يقول الربيعي، وإنما يكون التصدي الصحيح والعلمي للأيديولوجية الصهيونية الرجعية، بالبحث العلمي الصارم والدقيق والموثق والمعتمد على جميع العلوم التجريبية وغير التجريبية ذات المساس بحقول التاريخ والإناسة “الانثروبولوجيا”، وبعيداً عن طريقة البحث عن “الخبطات” الإعلامية والفرقعات والصرعات التي لا سابق لها، وبأيِّ ثمن علمي كان.

لنقرأ التفاصيل التي يطرحها الباحث فرج الله ديب في مقدمة الفصل الأول، من كتابه سالف الذكر، فهي تختزل ما عنيناه في ملاحظاتنا السالفة حول القراءة التعسفية وغير الأمينة لكتاب فنكلشتائن، كتب ديب يقول (مرة أخرى يكذِّب علم الآثار في إسرائيل أسطورة “أرض الميعاد وخطأ إسقاط جغرافية التوراة على فلسطين، فبعد تحقيق مجلة التايم بتاريخ 18.12.1995 بعنوان هل التوراة واقع أم خيال؟ جاءت مجلة لو نوفيل أوبزرفاتور الفرنسية عدد 18 – 24.7.2002 لتنشر تحقيقا على امتداد عشر صفحات بعنوان (الطوفان، إبراهيم، موسى، الخروج. التوراة الحقيقة والأسطورة. )، فحتى من خلال هذه الفقرة الصغيرة والمتعلقة بالعناوين، يتبين لنا أنَّ ديب يحاول خلط فرضيته البحثية، التي خلاصتها “خطأ إسقاط جغرافية التوراة على فلسطين”، وبما ورد في بعض التحقيقات الصحفية التي كانت تدور حول موضوع آخر تماماً، هو موضوع خيالية وخرافية التوراة وبعض أنبياء وأحداث وشخصيات التوراة الكبرى، كإبراهيم، والطوفان، فهل يتساوى الأمران مضموناً؟ وهل هذا الخلط من الأمانة العلمية في شيء؟ ولا يقتصر الأمر على العناوين، بل إننا نجده مبثوثاً في التفاصيل، وفي جميع الاقتباسات التي يقتبسها ديب، وسنعرض بعض الأمثلة عليها:

*الاقتباسات التي أوردها ديب عن مقابلة مع عالم الآثار إسرائيل فنكلشتاين، تتحدث عن عدم العثور على أدلة آثارية تؤيد تاريخية التوراة،في فترات معينة في فلسطين. ولا يعني كلام فنكلشتاين هذا تأييداً منه لجغرافية التوراة اليمنية أو العسيرية التي يقول بها ديب وغيره. لقد كان علم الآثار “الإسرائيلي”، يبحث ويستقرئ أدلة مادية آثارية تدعم روايات التوراة عن الأحداث المهمة والشخصيات الكبرى التي تحدث عنها. وفنكلشتاين يعترف في المقتبس الذي أخذه عنه ديب، بأن النص التوراتي كتب أولاً عند نهايات مملكة يهوذا، أي بحدود القرن السابع قبل الميلاد، وأكمِل خلال فترة السبي البابلي بعد ذلك، وخلال العودة الأولى من بابل في القرن السادس ق.م، ويخلص من ذلك إلى القول إنَّ (قسماً كبيراً من التوراة كان دعائياً وأسطورياً).أما القسم الذي كتب من التوراة في زمن يوشيا، فكان بهدف دعم مملكة هذا الأخير، وليس المقصود – كما يؤكد فنكلشتاين – عدم تطابق الأثاريات في المحيط، في مصر وآشور مع نص التوراة، وإنَّ النص – التوراتي اليوشاوي – كان مبتدَعاً كلياً. ذلك أنَّ التاريخ ينفع في الأيديولوجيا، وكان على كاتب النص الإشارة إلى أساطير مبنية حول أبطال سابقين انتقلت أخبارهم من جيل إلى جيل). إنَّ فنكلشتاين، كما يتضح من هذا المقتبس، في واد، وديب وزملاءه في وادٍ آخر؛ فالأول، يشكك بتاريخية التوراة، وبأنه كتاب أيديولوجي كتبته سلطات الملك يوشيا في فلسطين -هو يوشيا بن أمون من القرن السابع ق.م، وليس يوشع بن نون الذي عاش في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر ق.م – ويهدف لدعم الملك والمملكة بأساطير توراتية سابقة، ولا علاقة لهذا الكلام بما يريد فرج الله ديب إثباته أو مقاربته، وجميع المقتبسات التي جاء بها ديب هي على هذا المنوال.

دعونا نختم بهذا المقتبس، الذي يوضح فيه فنكلشتاين الهدف من كتابه، فيقول (يسعى هذا الكتاب لرواية قصة إسرائيل القديمة، وولادة كتبها المقدسة من منظور آثاري جديد. هدفنا هو فصل التاريخ الحقيقي عن الأسطورة من خلال الأدلة التي أثبتتها الاكتشافات الأخيرة. سنبني تاريخاً جديداً لإسرائيل القديمة)[3] ولكي يكون مقصد المؤلف واضحاً أكثر، نقتبس هامشه بخصوص كلمة “إسرائيل” في الصفحة نفسها، حيث يقول (في كافة أنحاء هذا الكتاب، نستعمل اسم “إسرائيل”، في معنيين مميزين وبديلين، الأول هو اسم المملكة الشمالية، والثاني هو اسم جماعي لجالية كلِّ الإسرائيليين. وفي أغلب الحالات نشير إلى المملكة الشمالية كـ “مملكة إسرائيل” وإلى الجماعة الأوسع كـ “إسرائيل القديمة” أو شعب إسرائيل”. المؤلف)؛ وهنا، فلا مجال للتشكيك في اقتناع فنكلشتاين بجغرافية التوراة الفلسطينية في مملكة إسرائيل الشمالية وعاصمتها السامرة، وبمملكة يهوذا جنوباً وعاصمتها أورشليم -القدس، وبوجود الأدلة الآثارية التي يعرضها ويناقشها بمهارة الباحث الآثاري المتخصص، وهي أدلة بالمئات في كتابه. وقد أكد فنكلشتاين أيضاً، في كتابه أنَّ (علم الآثار الحديث، لم يثبت صحة القصة التوراتية بكل تفاصيلها، بل أثبت أنَّ العديد من أحداث التاريخ التوراتي لم تحدث لا في المكان ولا في الطريقة التي وصفت بها في الكتاب المقدس العبري، بل إنَّ بعض أشهر الحوادث في الكتاب المقدس العبري، لم تحدث مطلقا أصلا)[4]. فهل يعني هذا التشكيك، والنفي، للعديد من أحداث التاريخ التوراتي، أن أحداث التوراة وقصة بني إسرائيل حدثت خارج فلسطين، وفي اليمن أو عسير تحديدا، كما يزعم بعض المستشهدين بأقواله، أم أنه قد يعني أيضاً، أنها وقعت في أماكن أخرى في فلسطين ذاتها، ولكن ليس في المكان الذي ذكرته التوراة؟ أيهما أقرب إلى المنطق، بوجود الأدلة الكثيرة الآثارية، وبوجود تفاصيل وأحداث أخرى، تأكدت صحتها، كما نفهم ضمناً من هذه الاستنتاجات التي يقدمها فنكلشتاين؟ ألا توجب النزاهة والأمانة العلمية على الباحثين العرب، وخصوصاً القائلين بالجغرافية التاريخية العسيرية واليمنية، أخذ كافة الاحتمالات التي ينطوي عليها كلام فنكلشتاين، بدلاً من توظيفها، لدعم سياق آخر وجغرافية تاريخية أخرى مختلفة، ولا دليل آثارياً عليها بالمرة؟

ومن كتاب فنكلشتاين وسيلبرمان “التوراة مكشوفة على حقيقتها” والذي قرأه بعض الباحثين العرب ومنهم الربيعي والصليبي بشكل غير أمين بحثيا، استعرض فنكلشتاين وزميله سيلبرمان مئات الأدلة الآثارية، وانتهى به الأمر إلى تقديم قراءة جديدة وآثارية للتوراة كلها. ومن هذا الكتاب فائق الأهمية، والذي كان بمثابة زلزال علمي وثقافي وحتى ديني في دولة الكيان الصهيوني هزَّ الكثير من القناعات التوراتية والصهيونية الموروثة والراسخة، وهدَّت بعضا منها هدّاً تاما. وقد أكثر القائلون بالجغرافية التوراتية العسيرية واليمنية من الاقتباس منه والاستشهاد به، ولكن بطريقة غير دقيقة ولا تتصف بالموضوعية كما قلنا، حيث أخرجوه عن سياقة ووضعوه في سياق تاريخي وجغرافي آخر لا علاقة له به ووظفوه لإثبات فرضياتهم العسيرية واليمنية، فإلى هذه المقتبسات القليلة، والتي لا تغني عن قراءة هذا الكتاب كاملا:

وعن مدينة أورشليم القدس نقرأ (كم تبدو مدينة أورشليم الملكية الواقعية صغيرة جدا في أنظار المراقبين العصريين! لقد كانت تمتد على مساحة لا تزيد على مائة وخمسين هكتارا فحسب! أي حولي نصف الحي القديم في مدينة أورشليم (القدس) الحالية! وسكانها الذين كانوا حوالي خمسة عشر ألف نسمة). في حين يذهب آثاريون آخرون إلى القول إن مساحة أورشليم لم تكن تتجاوز ستة عشر هكتارا مربعا، فلنقارن مساحة أورشليم هذه بمساحة بابل، أو بمساحة العاصمة الآشورية نينوى والتي كانت تبلغ سبعمائة وعشرين هكتارا مربعا، وكان عدد سكانها بمئات الآلاف، لنفهم أن أورشليم في عهد مملكة يهوذا، أو في عهد المحمية الفارسية “اليهودية”، والتي نفخ في صورتها التضليل التوراتي القديم والصهيوني المعاصر، لم تكن سوى قرية، أو “بلدة سوق صغيرة” بعبارة فنكلشتاين نفسه! واللافت، والمهم، هو ما يقوله الآثاري رولي خاريش من (أن التنقيب الأثري في مدينة أورشليم القدس أبان أن عدد سكان المدينة خلال فترة النفي – السبي البابلي- لم يتناقص، فهل يعني ذلك أن النفي لم يكن صحيحا، أم أن المنفيين كانوا قلة بعكس ما تقوله التوراة؟).

و عن المنهجيات الأركيولوجية المستعملة يكتب (لقد أصبح الوصول إلى عالم الكتاب المقدس العبري واستكشافه كليا سهلا وممكنا بفضل عمليات التنقيب الآثارية وأصبحنا نعرف تماما ماذا كان يزرع الإسرائيليون من حبوب وثمار وماذا كانوا يأكلون وكيف كانوا يبنون مدنهم ومع من كانوا يتاجرون “. ” واستخدمت طرق تنقيب حديثة، وتشكيلة واسعة من الفحوص والاختبارات المختبرية لتحليل تاريخ وحضارة الإسرائيليين القدماء، وحضارة جيرانهم الفلسطينيين والفينيقيين والآراميين والعمونيين والمؤابيين والفيدوميتيين وتم – في العديد من الحالات – اكتشاف أختام تواقيع، ونقوش، يمكن أن ترتبط بأفراد ذكروا في النص التوراتي بنحو مباشر. ولكن هذا لا يعني أن علم الاثار أثبت صحة القصة التوراتية بكل تفاصيلها، بل على العكس، أصبح واضحا – الآن – أن العديد من أحداث التاريخ التوراتي لم تحدث لا في المكان ولا بالأوصاف التي رويت في الكتاب المقدس العبري، بل بعض أشهر الحوادث في الكتاب المقدس العربي لم تحدث مطلقا أصلا). وقد توقفنا عند هذا المقتبس الذي اقتبسه بشكل مقلوب وغير أمين القائلون بالجغرافية التوراتية العسيرية واليمنية فحذفوا، أو لم يكترثوا بالأدلة الآثارية الوفيرة فيه، على صحة الجغرافية التوراتية الفلسطينية، وكرروا وركزوا فقط على العبارة الأخيرة التي تشكك بصحة (بعض أشهر الأحداث في التوراة) لأنها لم تؤيد بأدلة آثارية مادية وقد شرحنا مغزى ذلك في صفحات سابقة.

وعن السمات الدعائية والسياسية لنصوص التوراة يكتب (لقد ساعد علم الآثار على إعادة بناء التاريخ الحقيقي الكامن خلف نصوص التوراة، سواء على صعيد الملوك والممالك العظيمة او على صعيد الحياة اليومية. وأصبحنا نعرف اليوم أن الأسفار أو الفصول المبكرة من الكتاب المقدس العبري وقصصه المشهورة حول التاريخ المبكر لبني إسرائيل، تم تصنيفها أولا واعدت في نواحيها الرئيسية في مكان ووقت مميزين: أورشليم (القدس) في القرن السابع قبل الميلاد). وهذا يعنين أن كتابة التوراة في القرن السابع ق.م، تعني أن الأحداث والشخصيات والقصص التي يسردها التوراة والتي وقعت أو عاشت في القرون الخوالي، وعلى امتداد أكثر من ألف عام، إنما تم تدوينها وتنظيمها بالاعتماد على الذاكرة الجمعية والتراث الشفاهي المتوارث، ما يجعلها عرضة للتشكيك والنقض. وسوف يخرج الباحثان لاحقا بنتائج مدهشة حول الدوافع والأسباب اللاتاريخية وإنما السياسية السلطوية والدعائية من وراء إيراد وتدوين تلك القصص والأحداث خدمة للحاكمين في مملكة يهوذا المنقرضة.

ويضيف فنكلشتاين بخصوص بعض ملوك الدويلة العبرية القديمة (تم التعرف على عدد من الملوك التوراتين المهمين في الأرشيفات المسمارية لبلاد ما بين النهرين، مثل ملوك مملكة إسرائيل، عُمري وآحاب وياهو، وملوك مملكة يهوذا، حزقيا و مِنَسَّى من بين آخرين).

ولكنه يسجل بعض الأحداث التي وردت في التوراة وأكدت الأركيولوجيا حدوثها كهذا المثال (كما وجدت نقوش متفرقة في المناطق الأقرب لأرض إسرائيل (يقصد فلسطين المحتلة – المترجم) قدمت ارتباطات محددة ومفيدة أكثر. ففي وصف الانتصار الذي دونه الملك الموآبي ميشا والذي اكتشف في القرن التاسع عشر في الضفة الشرقية لنهر الأردن ذُكر انتصار الملك ميشا على جيوش إسرائيل معطيا شهادة خارجية على حرب وقعت بين إسرائيل وموآب رواها سفر الملوك الثاني 3 / 4 -26 . وفي عام 1993 تم اكتشاف نقش فريد ذي أهمية بالغة في التوثيق والتحقيق التاريخي في موقع تل دان يسجل على ما يبدو انتصار الملك الآرامي حزائيل على ملك إسرائيل في القرن التاسع قبل الميلاد).

ولكن ورغم وجود كل هذه الأدلة الآثارية الموثقة بأحدث الطرق العلمية ومن قبل باحثين وخبراء معروفين ومشهود لهم بالموضوعية والحياد العلمي فإننا نجد د. كمال الصليبي والقائلين معه بالجغرافية التوراتية العسيرية واليمنية كالباحث فاضل الربيعي وفرج الله ديب وغيرهما ينكرونها بطريقة غريبة ولا علمية. فالصليبي مثلا قال في لقاء معه أجرته صحيفة السفير اللبنانية سنة 2020، أي قبل أقل من عام من وفاته، ما نصه (هذه الآثار أو النقوش التي تحدثت عنها، والتي ذكرتها الأخبار عثر عليها في بلاد بابل وليس في فلسطين. لم يعثر على أي أثر من هذا النوع في فلسطين حتى الآن، ولا تزال أعمال الحفر والتنقيب مستمرة بلا طائل. وأنا على استعداد للتراجع علنا عن نظريتي في أي وقت يثبت فيه علماء الآثار المرموقون، وبشكل قاطع، ان مثل هذه الآثار موجودة فعلا في فلسطين. واعتقد ان الحفريات لن تكشف عن أي شيء في هذا الميدان).

ولا يمكن تفسير هذا الإنكار المؤسف إلا بالعناد ورفض النزول عن البغلة البحثية لأي سبب كان.

وختاما، فقد توقفتُ عند هذا الكتاب لفنكلشتاين وسلبرمان بما يتسق مع استراتيجيتي البحثية الهادفة لنقض الجغرافية التوراتية اليمنية والعسيرية، وتبيان القراءة غير الدقيقة لهذا الكتاب من قبل القائلين بها، ولم أخصص هذه المقالة لنقد هذا الكتاب الذي يبقى رغم أهميته يعاني من الكثير من المبالغات والاستخدام السيئ للمكتشفات الأركيولوجية وإسقاط بعض الآراء التوراتية والقناعات المسبقة لديهما كإسرائيليين على واقع الحال التاريخي رغم أن المؤلفين يعلنان تكرارا أنهما قد قطعا مع التوراة والكتاب المقدس قطعا بحثيا نهائيا، وهذا قول غير دقيق أيضا، ويتطلب وقفة نقدية أخرى لهذا الكتاب برمته، ولهذا السبب فإن الحذر المنهجي خلال التعامل النقدي مع هذا الكتاب يبقى مطلوبا لتفادي الوقوع في بعض الخلاصات الخاطئة التي حاول المؤلفات إمرارها في نصوص الكتاب بطريقة غير منهجية.

*هذه المقالة هي خلاصات مكثفة ومختصرة من الجزء الثاني من دراسة مطولة بعنوان (نقد الجغرافية التوراتية اليمنية عند فاضل الربيعي” والتي ستنشر كاملة في كتابي الجديد (نقد الجغرافية التوراتية العسيرية واليمنية) الذي سيصدر في المستقبل القريب. وقد نشر جزء آخر منها في يومية “الأخبار” اللبنانية عدد 2 نيسان- أبريل 2020 إضافة إلى الجزء الذي نشر في العدد السابق من ” الآداب”.

[1]- مجلة العرب الصادرة عن مركز حمد الجاسر الثقافي – العدد 2 – مقالة بعنوان : أغاليط الدكتور الصليبي الجغرافية – حمد الجاسر – الرياض. نسخة رقمية على شبكة الانترنيت.

[2]- “مجلة الدراسات الفلسطينية”، العدد 27 (صيف 1996)، ص 2،

[3]- التوراة مكشوفة على حقيقتها – م.س – ص 26.

تصنيف وسطاء الفوركس 2020:
  • FinMaxFx
    FinMaxFx

    أفضل وسيط فوركس لعام 2020!
    الخيار الأمثل للمبتدئين!
    تدريب مجاني!
    حساب تجريبي مجاني!
    مكافأة على التسجيل!

كيف تجني المال في التداول؟
Leave a Reply

;-) :| :x :twisted: :smile: :shock: :sad: :roll: :razz: :oops: :o :mrgreen: :lol: :idea: :grin: :evil: :cry: :cool: :arrow: :???: :?: :!: